قراءة : أشرف قاسم
حينما يحفر الفقدانُ جرحاً عميقاً في الروح ، وترسم أحزانُ الفقدِ ملامحها القاسية على لوحةِ العمر ، كيف نخرج من ربقةِ هذا الأسْرِ لنكتبَ نصَّاً إنسانياً بعيداً عن الأحزان ؟
كيف نرسم عالماً مختلفاً عن واقعنا ، ربما أملاً في الخلاص من وطأةِ هذا الواقعِ الجائر ؟ كيف نُعيدُ زراعةِ الروضِ بعد أن صَوَّحَتْه الريحِ ؟ كل هذه التساؤلات وغيرها هي التي دارت في رأسي وأنا أطالع عنوان ديوان الشاعرة هدى عبدالغني الجديد “ بعيداً عن الأحزان “ . هدى عبدالغني تلك المرأة القوية التي عكفت على تربية طفلين رحل عنهما الأبُ بعد ثلاث سنوات ونصف من الزواج ، واستطاعت أن تصل بهما إلى بر الأمان ، وأن تضرب مثلاً رائعاً للمرأة الجادة “ المناكفة “ المشاكسة التي تتغلب على أقسى الظروف .
وبالتوازي مع تجربة الحياة سارت تجربتها الشعرية لتصدر عدة أعمال بالعامية وضعتها على خارطة الشعر بجدارة .
وهاهي تفاجئُ القراءَ بديوان من شعر الفصحى تتجلى فيه روح الأنثى بشفافيتها ورقتها وعذوبتها دون إضافات مصطنعة ، الأنثى التي عركت الحياة وعرفتها حق المعرفة ولكنها لم تستسلم لقسوتها وجبروتها وظلت تقاوم حتى نفذت بإرادتها وقوة شخصيتها من عنق الزجاجة وأن تمسك بزمام الحياة :
ويدعوني
نداءُ الشوقِ في عينيكَ للسفرِ
وتدعوني
مواسمُ حبِّكَ الدَّافي
إلى موعدْ
فتحملني إليك مواسمُ الفرحة ! ص 38
هذا التسامح والحُنُوّ الذي يغلف تلك الروح هو ما يدفع هدى عبدالغني دائماً إلى البحثِ عن منازل النور في تلك الروح لتضيئ عتمة الحياة وتنتج نصَّاً تلقائياً يتقاطع مع ملامح تلك الحياة ولكنه لا ينهزم أمام قسوتها :
ورغم انهمارِ الدموعِ بقلبي
أراني أعانق فجراً رقيقاً
يزفُّ الأماني
يقول الغداةَ
يكون اللقاء ! ص 58
هذا الأمل الذي تبثه الشاعرة في ثنايا نصوصها هو شعلةُ الضوء التي تعينها على مواصلة الرحلـــــة على هدىً من إيمانها بالله و بأن القادم أجمل .. وأجمل أيامنا لم يأتِ بعد :
تذكَّرْ إلهكَ سبِّحْ بحمدهْ
فمهما يطول الظلام البغيض
وتأتي الرياحُ بما لا تريدْ
فحتماً سيشرقُ فجرٌ جديدْ ! ص 60
كما يتضح البناء السردي في نصوص هدى عبدالغني بشكل لافت إلى جانب توظيف الدراما والحوار في بعض النصوص في لغةٍ حيَّة رقيقةٍ واضحة الدلالة مرتبطة بالواقع المعيش وعلاقة الإنسان بالحياة في شتى أوجهها وتناقضاتها:
تطلب مني أنْ أصمد
وبرغم الجرحِ ورغم القهر
أنْ أصعدَ فوق الأزمات
أن أهدأ
تطلب مني أن أصمد كيف ؟
وأنا في طرقات الليلِ وحيدة !! ص 83
كما تمزج الشاعرة كثيراً بين الحلم والواقع مزجاً مدهشاً في حالة من التأمل للواقع والمأمول في آن ، وكأنها تحاول أن تصنع حالة من الأُلفة بين الشاعرة والإنسان :
يا حلمي البعيد
سؤالك البرئ
يلوح في عيونك الحزينة
وقلبك الذي يئنُّ في ممالكِ الوهَنْ
وخطوكَ العنيد في متاهةِ الألمْ
حبيبتي
متى يضمُّ حبَّنا
عُشٌّ صغيرْ ؟ ص 61
إن نصوص هدى عبدالغني نصوص بسيطة سهلة التناول ، لا تراوغ المتلقي بلغتها الحميمة وصورها المدهشة ببساطتها و صدقها العميق وتشكيلها الفني الباذخ ، وما زال لديها الأجمل ونحن بانتظار جديدها.

