حازم مبيضين
لم تُثمر زيارة الرئيس التركي لدول الخليج، ولم تُحقق أي نتيجة إيجابية، فبعد انتهائها مباشرة فُتح ملف القاعدة العسكرية التركية في قطر، برغم أن أردوغان صرح بأن اتصالاته الخليجية كانت مثمرة وناجحة.
لكن ذلك لم يكن غير محاولة لتغطية الفشل، إذ قامت دول المقاطعة بنشر أسماء إضافية على لائحة عقوباتها، مُتّهمة بدعمها للإرهاب، وهي على علاقة بالدوحة. وحتى التدخل الأميركي المتمثل بوصول قائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي للمنطقة بدا باهتاً حين تبعه تصريح تصعيدي لوزير الخارجية المصري شدد فيه أن على الدوحة قبول كل طلبات الدول الأربع. وأن الأمر غير قابل للحلول الوسط، وأنه لا يمكن الوصول لحلول وسط مع أي شكل من الإرهاب، ولامجال للدخول في أي شكل من التفاوض. بعد أردوغان جاء الجنرال الأميركي يُفتش عن مصالح بلاده وليس عن مصالح الدول الخليجية ويحاول تدوير الزوايا لمصلحة بلده، وهنا بدأت المواقف الأميركية المناهضة لقطر تتصاعد يومياً فقد انتقدت اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية في الكونجرس الأميركي سياسات قطر الداعمة للإرهاب، وطالبتها بتعديل سلوكها، وإلا مواجهة احتمال إغلاق قاعدة “العديد” العسكرية. وأكدت تقارير نيابية أن قطر متورطة بدعم الإرهاب، وهذا الموضوع ليس جديداً، لافتة إلى أن السعودية والإمارات حاولتا ثنيها عن هذه الممارسات منذ فترة طويلة.
ووصفت سياسة قطر بالطائشة وطالبتها بتغيير سلوكها، وأضافت أن السعودية والإمارات تحرزان تقدماً بمعدل أسرع في مكافحة تمويل الجماعات المتطرفة بينما لا تزال قطر متخلفة وبطيئة.
الدول المُقاطعة والداعية لمكافحة الإرهاب تؤكد بعد زيارة أردوغان أن التزام الحياد أصبح الخيار الأفضل لأنقرة، وأن حل الأزمة يتوقف على مراجعة الدوحة سياساتها.
في حين تؤكد مشيخة قطر أن هذه الدول لم تظهر إرادة للحوار، وأن فرض الحصار عليها شوّه سمعة دول الخليج أمام العالم وقوض الحرب ضد الإرهاب، لكنه جعل من قطر أكثر قوة وأكثر وحدة على عكس أهداف تلك الدول، فقد ساعد على تنويع اقتصاد قطر وخلق شراكات جديدة، كما رفع الحصار من درجة عزم الدوحة في الوقوف مع طموحات الشعوب ضد الدكتاتوريين. بينما ترى دول المقاطعة أن الخطاب القطري مُكابر وعالي الصوت، ويفتقر إلى النفس الخليجي التقليدي.
وأن الخروج من الأزمة يعرقله عدم إقرار الدوحة بضررها على جيرانها، وأن غياب الموضوعية يقود إلى تعقيد الأزمة في دهاليز الشكاوى، وهو طريق مظلم لن يؤدي إلى نتيجة. بديهي أن الاقتصاد هو المؤشر الفعلي والحقيقي الذي يشير إلى مدى عمق الأزمة. وواقع المؤشرات الاقتصادية القطرية اليوم يوضح أن الأزمة السياسية الحالية ليست غمامة صيف عابرة، لأن الأمور بلغت مستويات حرجة وحساسة. ولعل الأزمة الكبرى بالنسبة إلى الاقتصاد القطري هي حالة الشلل الكاملة التي أصابت تجارتها البرية لاقتصار حدودها البرية على السعودية، علماً بأن السعودية والإمارات من أهم الشركاء التجاريين لقطر، خاصة في مجال تجارة الغذاء. ومشكلة قطر مع الحصار ليست فقط في أن نحو 10.5 مليارات دولار هو حجم التبادل التجاري بينهما، بل في أن غالبية واردات قطر من دول الخليج هي من البضائع المصنعة للمستهلك النهائي ما يعني أن البلاد لا تملك أي مستوى من مستويات الاكتفاء الذاتي، وأن تصعيد الحصار إلى مستويات أعلى قد يسبب نتائج كارثية على مستوى الإمارة ويهدد وجودها كدولة. تركيا التي اتخذت منذ الساعات الأولى للأزمة موقفاً واضحاً ومتقدماً إلى جانب قطر سارعت إلى فتح جسر جوي يحمل المواد الغذائية للدوحة كسراً للحصار الاقتصادي وتخفيفاً للضغوط عليها. ودعت إلى التعامل مع الأزمة بحكمة وعقلانية وعبر الحوار للوصول إلى حل سياسي سلمي، في وقت كانت هناك مخاوف حقيقية من سيناريوهات أعنف، مثل محاولة ترتيب انقلاب داخلي أو تدخل عسكري ضد قطر.
ونشطت الدبلوماسية التركية، فتواصل أردوغان هاتفياً مع عدد من الرؤساء والزعماء ذوي العلاقة بالأزمة، وزار وزير خارجيته المنطقة دون أن يحقق نتائج ولم تطرح تركيا مبادرة مستقلة لكنها اتخذت خطوة مفاجئة تمثلت بإرسال جنود إلى قطر، وإذا كانت الدوحة تأمل بموافقة الرياض على دور تركي فاعل في حل الأزمة، فإن الإعلام السعودي أحبط هذا الأمل بعد جولة أردوغان الخليجية التي تضعه في سياق التوسط وطرح المبادرات، إذ هو أول رئيس يزور المنطقة من خارجها بعد اندلاع الأزمة. وعلى أمل أن تلعب بلاده دوراً محورياً، خصوصاً وأن من يعرفه يدرك أنه ما كان ليبدأ جولته الخليجية إلا وهو مطمئن إلى عدم فشلها في الحد الأدنى، وما كان ليعرّض نفسه لحرج كبير. لكن النتيجة أتت ريحاً معاكسة لأشرعة أردوغان.
فبناء علاقات خليجية جديدة وسياسة مشتركة لمكافحة الإرهاب من دون الدوحة، هي عناوين المرحلة المقبلة، التي لن تتضمن تسويةً تعيدها إلى الحضن الخليجي. وعلى الرئيس التركي استيعاب أن دول مقاطعة قطر ستمضي قدماً من دونها، وأن حلّ الأزمة الخليجية لا يزال بعيداً.

