تحقيق / ناهدة الدراجي – القاهرة
حين تكون صحفيا ( عراقيا ) تبحث عن عبق الامكنة وماتحويه من أرث وتأريخ لاسيمى المتعلق منها ( بالمقاهي ) ينتابك الحنين دون شك الى ( استكان شاي ) تتذكر انك شربته يوما في مقهى الشابندر أو حسن عجمي وتتذكر شارع الرشيد والسراي والمتنبي ,, أنها الذاكرة التي يختزل الوطن كله مكانتها في عقلك اينما ذهبت ,, هذه الهواجس هي التي كانت تدور وتتصارع في مخيلتي وانا احمل ( ادواتي الصحفية ) واتوجه الى أكثر احياء القاهرة زحاما وحركة لاتنتهي ابدا ( حي الحسين ) ومنطقة خان الخليلي بالتحديد ,, حيث المقهى الاشهر فيها من بين عشرات المقاهي التي لم تستطع للان مزاحمتها على تأريخها وروادها وتأثيرها في الذاكرة , أنه مقهى ( الفيشاوي ) ولااعتقد ان احد يبتغي ويقصد السياحة في مصر لم يزر هذا المقهى العريق الذي تشير احدى سنوات تأسيسه المرصعة على احد اقدم أبوابه 1710 ,, هو أكثر من مقهى بمعنى التأريخي والزمني فهو سجل يحفل بالكثير الكثير وهو بحد ذاته يمكن ان يوصف بمؤسسة اجتماعية كانت ولازالت شاهدة على عشرات السنين من الاحداث , الجلوس فيه له متعه خاصة تعيد الذاكرة لكل من جلس هنا , ولكل من كتب هنا , ولكل من مر من هنا .
أكتسب هذا المقهى الكثير من شهرته بسبب حضور الاديب العربي المصري ( نجيب محفوظ ) فيه اذ كان يعد مقهاه المفضل ومكان جلوسه الاقرب لنفسه ,, ويقال بأن اغلب رواياته وقصصه قد كتبها هنا , اذا فمقهى الفيشاوي خير شاهد على الولادة ( الافتراضية ) لعاشور الناجي وغيرهم من ابطال قصص نجيب محفوظ.
ولتوثيق تحقيقي هذا اكثر كان لابد لي من جلسة ممتعه جدا مع الحاج ( أكرم الفيشاوي ) وهو الحفيد السابع للفيشاوي الكبير مؤسس المقهى , لقد كنت على موعد مع الحاج اكرم الذي ماان جلست معه حتى كان هو المبادر بالحديث عن ( العراق ) واصفا اياه بالبنع الذي تستمد منه الانسانية حضارتها حين يجري الحديث عن الحضارة والتأريخ والرافدين الخالدين ويصف الكثير من الامكنة العراقية حتى كأنه قد عاش فيها أنه يصف العراق ومصر بالبلد الواحد الذي اشترك في صناعة التأريخ برمته , ولم يكف عن وصف طيبة العراقيين وكرمهم واصالتهم , ولاني اريد التحقيق عن مقهى الفيشاوي كان لابد لي من ( مقاطعة الحفيد السابع ) فقلت له مبتسمة , هل لك الى ان تنسى للحظات اني عراقية ونتحدث عن المكان الذي نحن فيه الان ,, فضحك هو كمن يستدرك شيئا ( اه نعم انتي على حق ) ربما لكثر رواد هذا المقهى من الصحفيين نسيت انك ( صحفية ) ,, الفيشاوي ليس بغريب كما تعرفون فهو من اشهر مقاهي القاهرة وحي الحسين وخان الخليلي ,, لم يزر احد مصر الا وجلس هنا والتقط صورا او ترك اثرا ,, هكذا هو تأريخ هذه الامكنة ,,
*هل تتذكر بعض رواد المقهى ؟؟
/ يصعب عدهم بالارقام , ولكن لانهم شخصيات بارزه فنحن نتذكرهم جيدا , منهم طبعا الملك فاروق وزوجته , ومنهم جمال الدين الافغاني , والشيخ محمد عبده , وعدد كبير من رؤساء الدول منهم الجزائري عبد العزيز بو تفليقه , وعمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية , ومن الفنانين فريد شوقي وتوفيق الدقن ومحمود المليجي , وما لايمكن عده من الاسماء الفنية .
*ومن المثقفين والكتاب ؟؟
/ اكتسب المقهى شهرة مضافة دون شك لكثرة جلوس الاديب العالمي نجيب محفوظ ( رحمه الله ) فلقد كان المقهى مكانه المفضل , يجلس لوحده احيانا فيكتب ونعرف انه سينجز عملا ادبيا , ثم يتوافد الادباء حوله وتطول جلساتهم وسهرهم.
*هل المقهى متعدد الاقسام او الزوايا ؟؟
/ أول غرف او اركان المقهى كما تشاهدين هي غرفة ( الباسفور ) وهي تمتاز انها مبطنة بالخشب المطهم بالابنوس , وهي مليئة بالتحف والكتب العربية نادرة الوجود.
*ماذا تقدمون للزبون هنا ؟؟
/ مايطلبه الزبون من المشروبات التقليدية المعروفه كالشاي والقهوة وغيرهم يطلب الشيشة ولدينا ايضا انواع الببسي والكولا , نوفر الخدمة الجيدة خاصة ان اغلب روادنا هنا يأتون لتأريخ هذا المقهى وعراقته لذلك نجد مسؤوليتنا مضاعفة فنحن مقهى ربما يختلف عن غيره بالتأكيد.
*هنالك اوقات ذروه بالنسبة لكم ؟؟
/ غالبا في رمضان نعم , يكون الاقبال على المقهى منقطع النظير ( موسم يعني ) اذ يزدحم المكان لاسيمى بعد الافطار مباشرة في هذا الشهر الفضيل ولساعات متأخرة جدا احيانا لوقت السحور ,, السياح العرب والاجانب لهم حضور دائم هنا الكثير منهم يوميا يتوافد علينا .المقاهي التأريخية لم تعد امكنه لمجرد شرب الشاي والقهوة , بل انها اماكن لقراءة التأريخ الحديث والعيش ببعض تفاصيله واستذكار رموزه فهي فضاءات يطل منها الانسان على الماضي القريب للبلد , تماما كما لديكم في بغداد اذ تتمتع العديد من الامكنة لذاكرة تعود لمئات السنين ربما .
*شكرا لك , ولحسن الضيافة والاستقبال
/ بل أنا الذي اشكركم , شكرا لحضورك وتشريفك لنا , نحن شعب واحد تربطنا صلات ومحبة عربية واسلامية واخوية لاتنقطع ولاتنتهي , تربطنا الحضارة في الماضي والمستقبل ,, تحية لكل العراقيين ولكل من يقرأ حوارنا هذا .

