Pdf copy 1

عماد الدين موسى
ثمّة ما يدلُّ على إنهاكٍ تامّ في عموم أجواء المجموعة الشعريَّة الجديدة “الخريف من معارفي” للشاعر السوري نجيب جورج عوض، الصادرة عن منشورات المتوسّط (إيطاليا- 2016)؛ البلاغةُ إذ تكونُ دالَّة على وصول الشاعر إلى مرحلة الإنهاك من الحياة ومن الذكرى وحتّى من الحبّ، الأخير الذي يحتفي نصّ نجيب به كأيقونةٍ للتعب والإنهاك!
القصائد مرتَّبة وفقاً للألم، وفقاً لتطابق الألم مع الحياة وبالتالي التطابق مع ما يُستدلّ عليه من الكلمات المدوّنة شِعراً، بتؤدةٍ يمضي الشاعر في تدوين إنهاكه كي يكون علامةً فارقة تميّزه عن غيره من البشر، ولتكونَ القصيدةُ سُكرَاً من نوعٍ آخر، غير الذي يسبّبه الكحول، ثمّة ما يمكِن أن يُثمِلَ لمجرَّد الغوص فيهِ تذكُّراً، على الرغم من أنّ الكحول هو الكائن الأرقّ الحاضر في ثنايا القصائد، اللعب مع اليأس والانكسارات ربمّا فقط لتزجية الوقت الثقيل على اليائِس والمُنهَكِ شعراً وكتابةً: “في الليلة الماضية/ لعبت مع الله بالسِّهام/ ونحنُ نعبُّ البيرة حتَّى الفجر/ ونزعمُ أنَّ دموعنا قطرات عرقٍ/ زربت من جباهنا اللاهبةِ”.
تمضي قصائدُ المجموعة برمّتـها نحو توثيق الألم واليأس والخيال والحبّ، وبمباغتةٍ لغويَّة ينكشفُ الألم صريحاً وفقَ صراحة اللغة المكتوبةِ بها، دونما مواربةٍ أو تورية، إذ إنّه ما من شيءٍ في الخفاء يمكن الاستنادُ إليه دونما مخادعة!، لا بدّ من أن تكون الأمورُ- كلّها- والآلامُ كلّها واضحةً كقرص الشمس.
تتميّزُ الجملة الشعريَّة في قصائد “الخريف من معارفي” بالانسيابيَّة، شيءٌ ما كماءِ نبعٍ عذب يسيلُ بهدوءٍ بين أضلاع غاباتٍ كثيفة الأشجار، كلُّ شجرةٍ قصيدة!، وثمّة ما يعطي النصّ بعداً خياليَّاً سارحاً في الفضاء الرحب للكلمات.
انعدامُ اليقين كذلك يغطِّي النصوصَ جمعاء، ثمّة لا يقينيَّة متواجدة، تارّةً تختفي وأخرى تتوضّحُ، غيماتٌ خلبيَّة لا تُمطِر، جافّة وترحل دون أن تروي العطش: “وأنا هناك/ -عاجزاً كالله عن فهم العالم وتقـــــلباته الحمقاء/ -لم يبقَ لي/ سوى أن:/ أنظر إلى الغضبِ الذي يغطّـــِيكِ/ وأنتِ تبتعدين فيه عن قلبي”.
تنمو اللغةُ في النصوص الشعريَّة ضمن المجموعة كطفلٍ صغير ينمو وفق مراحل الطبيعة المُقدَّرة، ثمّة حذوفاتٌ كثيرة اعتمدها الشاعر، يكتشفها القارئُ آنَ مضيِّه في ممرّات القراءة المتعمّقة المتأمّلة في الهوامش، وكأنّ الشعريَّة ها هنا على لقاءٍ مع ما يجب أن يُختَزَل ويُكثَّف كما في بعض النصوص التي تنحو منحى الومضات القصيرة، إشراقٌ ما وإضاءة على مكانٍ لا بدّ من أن يُضاءَ حتماً منعاً للالتباس شعريَّاً كما في نصّه “ثلج”، حيثُ الاختزالُ في شبابه وقوّته، الإيجازُ قوَّة للنصوص وقول المفيد فقط دونما حشوٍ أو إثارةٍ للغط أو اجتراحُ تأويلاتٍ لا يحتملها الشعر!: “بردٌ/ وبردٌ/ ثم بردٌ أكثر:/ اسم حكايتي/ في دفتر يوميات الله./ نارٌ/ ونارٌ/ ونارٌ أشدّ:/ اسم الله/ الساكن في رأسي”.
ثمّة في المقتطف السابق من قصيدة “ثلج”، لغةٌ في أوج اختزالها، لا يمكن مطلقاً حذفُ كلمةٍ واحدة، الكلماتُ مرصوفة إلى جانب بعضها البعض كنوتةٍ موسيقيَّة، حيثُ تجاهل أيّة علامةٍ– مهما كانت بسيطة- كفيلٌ بمنح إيقاعٍ نشاز للجوِّ العام للّحنِ/ القصيدة.
الحبُّ بمختلف كينوناته وتجليَّاته يبدو واضحاً، على أنّ هذا الوضوح مكَّارٌ ومخادع، ربَّما لأنّ اللغة خادعة هيَ الأخرى، كنوعٍ للتعبير عن كينونةٍ ما، تكادُ تكون القصائد في المجموعةِ علامات حبٍّ، كلُّ قصيدةٍ تحلُّ محلّ شهقةِ عاشقٍ منهَك من أسباب الحياة وتداعياتها.
سِحر اللغة
اللغةُ المكتوبة سحرٌ لا يُضاهى، هيَ أداةُ التعبير الأزليَّة التي استخدمها البشرُ لفهم ما يجري في الأنحاء، أمرٌ بدهيّ!، لكن ما هو ليس كذلك، المجازفة في الاختصار والبلاغةُ في الدلالة باستعمال تلك اللغةِ شعراً، حيثُ اغتراب الشاعر مترجَمَاً عِبرَ اللغة، بها تكونُ الدلالاتُ صريحة دون أن يكون هناك داعٍ للشرحِ والإسهاب.
اللغة تكادُ تكونُ مطواعة في معجم شاعرنا، كلّ ما يمكن أن يكون بسيطاً، عميقاً في الآن ذاته يستخدمهُ كي لا يخونَ اللغةَ وعمقها، ولكي لا يكونَ مساهِماً في الاستخفاف الشعريّ كما يحصل في وقتنا الرّاهن، ثمّة ما يمكنُ أن يكون في غاية الجمال حينَ استخدام اللغةِ بطريقتها الصحيحة وفي مكانها، حيثُ استخدام النصّ الشعريّ وتقطيعه عبر لغةٍ تكادُ تكونُ مسرحيَّة ومن الممكن تأديتها على الخشبةِ المُضاءة بخيطِ نورٍ: “كيف أقنعُ العالم/ والله/ وأنتِ/ أنني لا أريد أن أكون/ لا أريد/ أن/ أكون..”. 
خيالُ الحبّ
كثيرةٌ ولا تُحصى، قصائد الحبّ، الأخيرة كعلاماتٍ فارقة في كلّ ما دوّن من أجناس الأدب، لكن ثمّة خيالٌ ناقصٌ، يحاول الشاعر الاقترابَ منه وتغذيته بالكلمات ودفقات خياله، الدنوّ برأفةٍ من الحب كموضوعةٍ لا بدَّ من أن تكون دسمةً بجرعاتٍ عالية من الخيال، كي يكون السردُ في أوجه.
الشعرُ لا يحتملُ الزوائد، يلفظ كل ما بداخله من زياداتٍ غير مجدية، فيما يحتفِظ بالخيال الجوّاني كقطعةِ ألماسٍ نادرة، أو ربمّا كقلبٍ للقلب غير الذي يتراءى لنا، لكن والحال هذه، تبدو بعض النصوص الشعريَّة في غير موقعها من المجموعة، حيثُ كان يمكن لها أن تكونَ في جوّها الخاصّ بها، أن تكون قصائد حبٍ يغلب عليها طابع المباشرَة، الحبّ بنياناً للنصوص واللغة في مكانٍ مستقلّ جامع: “ما زلتُ أنظرُ باتجاهِ صدى كلماتكِ/ كمن يمكنُ لقلبه الآنَ أن يخلعَ حذاءهُ/ ويغرقَ في النومِ على أريكةِ الصمت./ كمن يمكنه أن يتغطَّى بكِ/ ويستعمل ذكراكِ مخدَّة”.
الخيالُ موجود بكثرة، الخيالُ سائس للحبّ نحو الدروب المضاءة. ما يودّ قوله الشاعر مندلقاً دفعةً واحدة دون توقّف، وكأنّ سيلاً ما لا بدّ من أن يغمر العالم كلاماً وخيالاً أنهكته الحياة.
ثنائيّة “الغياب- الفقد”
ليس بإتيانٍ لجديد، الحديثُ عن الفقد والغياب كثيماتٍ للنصوص، إنّما المعالجةُ تكاد تكون مختلفة في نصوص “الخريف من معارفي”، بدءاً من العنوان ذاته، الخريفُ محيلاً إلى الفقد والغياب، الخريفُ كصديقٍ يعرفه الشاعر ويعي تقلّباته ودلالاته شعريَّاً: “كيف يغسلُ ماءكِ قلبي/ وأنتِ سيلٌ ينحدرُ تاركاً إيَّاي/ مطموراً في بركةِ فقدانكِ الموحلة؟”.
حتّى العناوين في بعض نصوص المجموعة تُحيلُ إلى الغياب قبل الولوج في عالم القراءة وتتبَّع الشعر كما في نصّ الشاعر المعنوَن بـ”تنفضُ عن كتفيك غبار غيابك؟”، التعجّب ومحاولة الاستفهام لتوضيح ما يجري على إثر الغياب.
جماليّات التقطيع
تتألّف المجموعة من ثلاثة أقسام، “الخريف من معارفي”، و”لونٌ في الليل”، و”أريدُ أن أصير كرزة”، تقنية تعطي ملامح الاختلاف ما بين عوالم مجموعة من القصائد وأخرى، فإن كان الغياب في القسم الأوّل متوفّراً بكثرة، فإنّ القسم الثاني يضجُّ بالانتظار والشيخوخةِ والرياحِ كفعلٍ خارجي طبيعيّ مدمّر، ليكون الثالثُ محتفياً بالطبيعة كنصّ: 
“قدمايَ من صدفٍ يدايَ من طحلب”، دلالاتٌ ورموز يستند إليها الشاعر للتعبير والتأمُّل والقبضِ على دقائقَ من الوقت الزائد كي يكون الانتظارُ ذا وقعٍ أخفّ على الرّهافةِ والهشاشة: “أكادُ أغفو في حضن الشمس/ حين تلكزني نسمة باردة/ أنتفضُ منتبهاً/ أنني ما زلتُ في مكاني/ أشيخُ في انتظارِك”.
“كياسمينةٍ تغرق في محبرة” يغرق جورج نجيب عوض في مياه حبّه وخيباته وانكساراته، يرفع الأقداح عاليةً كي يكونَ على مقربةٍ من الهذيان، أو ربمّا ليتحصَّل إغفاءةً تُذهِب عنهُ وجع الانتظار وغلبةِ الشيخوخة.

التعليقات معطلة