Pdf copy 1

جمال الطيب / مهندس مدنى 
آفة عالمنا التناقض والانفصام!  فى روايته يدعو «ميسرةالهادي» إلى سيادة جوانب الحق والخير والحب بين البشر، وذلك من خلال رحلة بطلها (المجهول الاسم) إلى إحدى البلاد الأوربية، أشار إليها بالحرف (ل)، رغبة فى الهروب من ذكرياته فى وطنه التى تطارده، وتتضح هذه الرغبة فى إجابته على سؤال (خ) الفتاة الإسرائيلية المُحاضِرة فى البعثة، التى يقول فيها: «اعتبريه هروباً من بعض الذكريات كتلك الذكريات التى تعيدها رائحة القهوة». (ص115)، وإن كان لا يُخفِى الأسباب العملية فى رغبته اجتياز تلك البعثة التى أوفدته إليها شركة السياحة التى يعمل بها كمرشد سياحي، ليكون فى ذلك الفرصة لترقيته وزيادة مرتبه، والتى سافر إليها بعد أربعة أشهر من زواجه، واستمرت لمدة عام، شهد فيها الكثير من الأحداث وعلى رأسها تدمير مركز التجارة العالمى فى مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية11سبتمبر 2001، والذى تتصدّر آثار التدمير صورة الغلاف للرواية. من خلال أحداث السرد يقوم المؤلف/ الراوى بفضح وتعرية الجماعات الإسلامية، الذين انضم إليهم إثر رحيل (ح) فتاة الشات المفاجئ وشعوره بالاكتئاب ساعتها، تلك الجماعة التى تحرّم كل ما هو جميل، وكذلك إلى تغلغل الفكر الوهابى وطرائقهم فى الدعوة إلى الأفكار التى ينتهجونها بقوله: «ناولنى أحد الشباب (الملتزم) ورقة مطوية لأربعة أجزاء، فيها وصفٌ مصور للصلاة، فيها كل الحركات، وكيفية الافتراش والجلوس ورفع الإصبع.. إلخ. وكان الرجل الذى فيها ممسوخٌ وجهه كتمثال من شمع قد ساح، ويرتدى جلباباً أبيض وعقالاً يختلط فيه الأحمر بالأبيض». (ص92)، ويشير بكل جرأة إلى الإرهاب والقوى التى تقف وراءه وتدّعمه وتدفع إليه السُذَّج من الشباب ومساهمتهم بوعى أو بدونه فى نشر صورة مغايرة للإسلام الذى يدعو إلى التسامح والمحبة، كما يقوم المؤلف/ الراوى بكشف أجهزة الإعلام الأجنبية ومغالطاتها، فيقول مخاطبًا (خ): « كل ما هنالك أن إعلامَكم يصوّر لكم فقط ما يريدكم أن تروه، لا يخبركم عن تطرفكم وعن قبليتكم، لا يخبركم بوحشيتكم وهمجيتكم، يصنع لكم وهم الإنسانية وحقوق الإنسان، عالمُكم ازدواجى وأنتم مصدقون هذه الازدواجية وتعيشون بها، دماء قططكم التى تسقط فى بالوعات الأنفاق أغلى عندكم من دماء المسلمين، ما أجمل إنسانيتكم»!. (ص145)، وكذلك شعاراتها الزائفة حول حقوق الإنسان بما لا يتعارض مع مصالحهم «إن حقوق الإنسان تطبق هنا لأجلهم فقط، لمصلحتهم فقط، أما حين يكون الأمر علينا، فلا حقوق ولا إنسان ولا يحزنون». (ص140). وعلى الجانب الآخر وعبر»الشات» مع من أشار إليها بالحرف (ح) يطرح الكثير من الجوانب الإنسانية كالشعر والموسيقى والأدب والفلسفة، ثم تناوله للصوفية والصوفيين من خلال زميله بالفندق (م)، وحضوره لإحدى حَضَرَاتِهم التى يتغنوّن فيها بأشعار شهاب الدين السهرورّدى، وابن الفارض، ومحيى الدين بن عربي، فيصوّر لنا هذا العالم فى لوحة فنية بديعة، فيقول: «ينفجرون فجأة فى دوران وهبوط، تضطرب الرؤوس والأيدي، والتصفيق يعلو ويطرد، ثم كأن العالم يختفى ولا يظل شيء سوى هالة النور الأخضر الخارجة من الفانوس الصغير، ولا شيء فى الكون سوى الشعر الذى يتغنى، وأنتَ هناك فى الأعلى تحلق، مع النغم، مع حركاتهم من اليمين إلى اليسار، واليسار إلى اليمين، تهفو روحكَ فتدور مع أرواحهم، فى الفلك البعيد، حيث لا يراهم ولا يراكَ أحد» (ص167،166)، ثم يواصل: «أقوم فأشبك يدى فى أيديهم، نتمايل مع النغم، أولد معهم من جديد، وأشارك بدورانى فى تسريع هذه الولادة المتعسرة علها تنتهى قبل أن ننتهى نحن، وقبل أن نفنى».(ص175). 
من المؤاخذات على الرواية المبالغة والإطالة؛ كما جاء فى سرده لحالات المفكرين والأدباء وعلاقة الكاتب والناشر، فتحولت إلى تقرير سردى استغرق الصفحات من (ص 72 – ص 75)، وكذلك درس الشيخ عن صفة صلاة النبى من (ص 89 – ص91)، وغياب المغزى من الإشارة إلى أسماء بعض شخصيات الرواية بالأحرف (د، ع، ح، ف، خ، ط)، والتصريح ببعض الأسماء الأخرى (محمود، مارك، إيزابيل، سارة، جورج، سميث، إبراهام)، كما يتلاحظ أن شخصيات الرواية غير متزنة، محبطة، ممزقة، عدا (ط) المتزن ذهنيًا ونفسيًا، المحدد الهدف وتصميمه على الوصول إليه مهما كلفه ذلك من صعوبات وتعذيب جرّاء اعتقاله لاعتناقه لفكرته وإيمانه بها، والذى يخاطبه المؤلف/ الراوى فى ختام الرواية متسائلاً: «لماذا يحدث كل ذلك يا ط؟! لماذا صار وهذا المسخ؟ لماذا انتحرت خ وقتلت ابننا؟ ولماذا تزوجت ح بتلك الطريقة وتناست كل أحلامها بالحرية والانطلاق؟ ولماذا صار ج مثل من هرب منهم كى لا يصبح مثلهم؟ ولماذا قبل م أن يشوه صورة الدين مقابل الدنيا؟ لماذا ندعى أشياء ونفعل عكسها؟ لماذا نحن مليئون بكل هذا التناقض وهذا الانفصام»؟ (ص227).
وضح من خلال السرد اهتمام «ميسرة الهادي» بتفاصيل الشخصيات، فنأخذ وصفه لهيئة المأذون كمثال، والتى يقول عنها: «هذه النهاية أتت على يد شيخ بقفطان وعباءة بنية، له لحيةٌ بيضاء، يمسك بيده دفتراً وفى الأخرى مسبحة، يتمتم باسم الله كثيراً، يخرج منديله الأبيض القماش كثيراً ليمسح عرقه الغزير.» (ص15)، واستخدامه للصور البلاغية البديعة التى ساعدت كثيرًا فى إظهار المعانى وكشفها لتتضح فى عين وذهن القارئ، فعن لحظة الغروب يقول: «الشمس مذبوحة فى الأفق، تستنقذ الكون مطلقة أشعتها الدموية المشتعلة من عقالها، فتجرح السماء، وتفتن الأرواح، تخترق الصدور فتنفذ إلى النفوس، تبحث مسعورةً عن كل الذكريات الحزينة، تبرزها وتفجر الشجن»، ثم يواصل: «مراسمٌ ملكية لتوديع النهار الطيب وتتويج الليل المقيت.» (ص27). يحسب للمؤلف خصوصية لغته وتنوعها بين الفصحى والعامية بما يتناسب مع الشخصية والحالة السردية؛ وتعدد أصوات الرواة (المُحاضِرة الإسرائيلية (خ) فى فصول بعنوان «رائحةُ القهوة» وفصل آخر بعنوان «موت»، وصديق البطل (ط) وصاحب المدوَّنة فى فصل يحمل اسم «هزيمةُ الملائكة»)، مما ساعد كثيرًا فى كشف أغوار النفس للراوى فى كل حالة من حالات السرد، كما يكشف اللثام عن عنوان روايته ومفهومه عن الرواية الحقيقية، بين ثنايا الحوار الذى يدور بين الراوى وصديقه (ط)، وذلك عندما يقول له الأخير:
«أنا سأغير العالم بروايتي!.
– ومتى تكتبها يا فالح؟!
– ليس المهم متى أكتبها، المهم أن من يقرأها يؤمن بما فيها ويحاول معي!.، ثم يواصل «.. لكن طريقى طويل، قلت لك إنى أنحتُ فى صخور الألماس»!. (ص229،228).
نقاط عديدة متشابكة ومتفرقة طرحها «ميسرة الهادي» فى روايته تصلح كل واحدة منها أن تكون موضوعًا لرواية قائمة بذاتها، ولكنه استطاع بحرفية الإمساك بخيوطها والحفاظ على تماسك بنيانها.

التعليقات معطلة