علي البشلي
«من يفقد الأمل يهرب»، هذا ما ردّ به الوالد سيلفستر على خال أولاده أبروكزيمادو، عندما طلب منه البقاء في منزله وسط المدينة التي يُدمّر فيها كلّ شيء. لا أعتقد أنّ أيّ قارئ لرواية «مدوزن الصمت»، سيستطيع التركيز في أحداثها من دون أن ينسحب دماغه بلا إرادة إلى ما يحدث في بلداننا: ليبيا وسورية واليمن وفلسطين والعراق؛ إلى أولئك الناس الذين فقدوا الأمل، وفقدوا الثقة بكلّ شيء، جرّاء ما يحدث لهم، فتركوا بيوتهم هرباً من الموت إلى شتات موحش فظيع، ريثما تنتهي حروب الأهل! لكن في الحقيقة، هل ستنتهي حروبنا، ويعود الناس إلى بيوتهم؟ سؤال لا بدّ أيضاً أن يرد إلى ذهن القارئ، ولا بدّ أن يأمل ذلك. إلّا أنّ زكريا الجندي الموزمبيقيّ السابق، الذي خاض حروباً كحروبنا، له رأي آخر؛ إذ عندما تُسمع طلقات ناريّة غير معروفة المصدر في ذلك السكون الصحراوي، وتُرهب الولد موانيتو، فيسأل والده: «من هؤلاء الذين يطلقون النار الآن يا أبي»؟ فيطمئنه أنها أصداء الحرب المنتهية. لكنّ زكريا يقاطعه، أنّ هذا التوصيف خاطئ، فلا وجود لحرب تنتهي إلى الأبد! «مدوزن الصمت»، رواية من الأدب الإفريقي، من موزمبيق المستعمرة البرتغالية السابقة، للروائي ميا كوتو ابن أحد البرتغاليين المهاجرين في منتصف القرن العشرين إلى تلك المستعمرة. ميا كوتو، يُشرّح بسوداويّة تهكميّة، آثار تلك الحرب التي عصفت بموزمبيق، غير مهتمّ بالأحداث السياسيّة بشكل مباشر، أو طرائق معالجة الأطراف المتقاتلة لها، بل بما يعتمل من آثار أليمة في أرواح الناس العاديين الذين وقعت عليهم تلك المأساة وفظاعاتها، ففقدوا الثقة والأمل في كلّ شيء. وقت يزداد الوضع الأمني في المدينة بشاعة ورعباً، يغادر الأب سيلفستر تاركاً كلّ شيء وراءه، مصطحباً ولديه: نتونزي الشاب اليافع، والولد موانيتو، والأتان جيزابيلا. يرافقه صديقه زكريا، الجندي السابق. والخال أبروكزيمادو. ولدى وصولهم إلى تلك البقعة الصحراويّة التي اختارها مكاناً لإقامتهم الجديدة، يُعلن أن العالم قد انتهى، وأنهم الناجون الوحيدون. ويطلق على تلك البقعة المجردة من أيّ مظهر من مظاهر الحياة اسم «أورشليم القدس»، مُلقياً لنا وجوه التخمين: أهو توق للسلام، أم توق للخلاص والمنجاة، أم قطيعة مع العالم الماديّ المتوحّش، أم هجر إلى الروحانيات، أم نداء إلى السيّد المسيح، أنهم قد لاقوا عذاباتهم كما عذاباته؛ ربّما كلّ هذه الاحتمالات، وربما لا شيء منها. ويتمّم هَيكلةَ قُدسه، فيبني نصباً للصليب، ويأمر زكريا بقرع الطبل، والصراخ كإعلان دعوة للجميع، وهو ملتحف بغطاء، حاملاً قطعة من الخشب، متحرّكاً بهيئة نبي. ثمّ يُقيم طقس عماد للجميع، ويغيّر أسماءهم، حالماً في ذلك بتخليصهم من الماضي وأحداثه الأليمة. في تلك البقعة المقدّسة، لكلّ من ساكنيها هواجسه، وأحلامه، وذكرياته. إلاّ موانيتو الصغير راوي الرواية، الذي كان الصمت رسالته الوحيدة، وعندما كان ينعزل في زاوية غير مرئيّة، يظنون أنّه في حالة إعياء ووهن، لكنه كان مفعماً بسكون الروح والجسد. وفي نهاية كلّ يوم، تقتضي مهمّته أن يدوزن صمت والده المتعب، الذي يبقى طوال الليل متكئاً على كرسي المصطبة، وهو جالس عند قدميه ناظراً إلى النجوم في الأعلى، إلى أن يأتي الفجر. عندها يأخذ الوالد نفساً عميقاً ثمّ يقول: «هذا الصمت، هو أجمل صمت سمعته في حياتي. شكراً موانيتو»! لكنّ هذه القدس المفعمة بالسلام، لن تروق الشاب اليافع نتونزي، التائق إلى ضجيج علاقات الحياة في المدينة، ولو أنّ العيش فيها في غاية الخطورة. فيقرر الهرب، لكنه يفشل في محاولته. تلك المحاولة الدالة على رفض إرادة الأب، جاءت كافية لتُظهر هشاشة السلام المنشود؛ إذ يتحوّل الوالد في لحظة ذلك التحوّل العنيف، فيضرب نتونزي بوحشيّة، إلى أن يُصيبه بنوع من الخبل: العنف هو العلاج، ذلك ما يعتمل في أرواح من خاضوا الحروب، أو وقعت عليهم بشاعاتها. ويتجلّى ذلك بوضوح أكثر، عندما يأتي حمار وحش، ويتزوّج الأتان جيزابيلا في غفلة عن الجميع، إلى أن تُنجب مولوداً صغيراً مُخططاً. عندها يقوم الأب سيلفستر بخنق المولود، ودفنه، منتقماً بقسوة من الكائن الضعيف الذي لا حول له ولا قوّة. كائن لا ذنب له في شيء، سوى أنّه نتج عن نداء نادته الطبيعة، فتزاوج حمار وحش مع أتان مدجّنة، هي في نهاية الأمر قريبته في سلّم التطوّر الطبيعي. لكنّ ذلك لم ينفع عند سلفستر، الذي عدّ ذلك عدواناً عليه؛ إنّه وجه العنف أيضاً، الذي يعكس في حقيقته، طبيعة علاقات السلطة العليا الغاشمة مع أبنائها الضعفاء، والمتقاتلة فيما بينها! كذلك زكريا الجندي السابق في الجيش، لم يبتعد في حقيقة كوامنه عن سلفستر؛ فمن تائق إلى السلام والسكينة عبر قوله لموانيتو: «ارمِ التحيّة على الأشياء عندما تمرّ بجانبها؛ هكذا تجد السلام، هكذا تستطيع النوم تحت أيّة نجمة جميلة»! من هذه السكينة، إلى إنسان ممسوس، يُطلق كامل رصاص بندقيّته على السماء في الليالي غير المقمرة، ثمّ يصرخ: «النجوم ثقوب السماء، ثقوب أصنعها برصاصاتي»! لينثر بعدها ذكرياته الأليمة، أنّه في يفاعته، كان يرغب أن يصبح رجل إطفاء، لينقذ سكّان البيوت المحترقة، لكنّ الأمر انتهى به، إلى إشعال النار في البيوت المأهولة! جندي حروب عديدة، يدافع عن الوطن، لكنّ الوطن الذي دافع عنه لم يكن وطنه على الإطلاق؛ إنّه وطن الطغمة الحاكمة.
وتحدث الهزّة العنيفة، عندما يأتي الخال أبروكزيمادو صلة الوصل ما بينهم والعالم الخارجي، يأتي إليهم بالمرأة البرتغالية مارتا، المصوّرة التي تبحث عن زوجها، الذي جُلب إلى هذه البقعة، وتُرك، أو قُتل، فلا أحد يعرف. هي امرأة نكبتها الحرب أيضاً. لكنّ هذا لن يجول في رأس سلفستر، فتأتي ردّة فعله على وجود مارتا الآتية من بلاد الغرب، فاجعة وسوداء؛ إذ يعلن نفسه رئيساً، ويعيّن زكريا وزيراً للدفاع، ويطلب مغادرتها على الفور. لكنها لا تعيره بالاً، وتُحدث شرخاً ما بينه وبين نتونزي الشاب التائق إلى كلّ جديد؛ إذ عندما يطلب الأبّ من نتونزي قتل مارتا، يذهب ويقتل الأتان جيزابيلا، منتقماً في ذلك أبشع انتقام من والده الذي يعنّفه باستمرار! ثمّ تأتي قمّة التهكّميّة المؤلمة، عندما تعاتب مارتا الأب سيلفستر، أنّه لم يقل كلمة وداع واحدة لصديقته الراحلة الأتان جيزابيلا. فيرد عليها: «أنا رئيس أورشليم القدس، ولست في حاجة إلى نصائح من الغرب»! إنها كوميديا سوداء بالغة الألم: فهل يملك معظم رؤساء العالم المتخلّف، سوى تلك الكلمات التي لا قيمة لها، ليلقوها في وجوه شعوبهم: «لست في حاجة إلى نصائح من الغرب». وسريعاً ما تتأكّد السخرية من هذا الإنشاء الفارغ، إذ يأتي الخال أبروكزيمادو، ويقول لسلفستر رئيس أورشليم القدس، إنّ عليه مغادرة أرضه، لأنها ستتحوّل إلى مكان لخدمة حيوانات البريّة، ومن سيقوم بتلك الخدمة شركات أجنبيّة. عند ذلك يُجنّ سلفستر؛ فمن انتظار لأنّ يحلّ المخلّص في القدس، حلّت شركات احتكاريّة.
ويغادر الجميع عائداً إلى المدينة، في حافلة الخال بصورة كوميديّة: سلفستر الرئيس، إلى جانب مارتا البرتغالية في مقعد واحد!

