منهل عبد الأمير المرشدي
مما لا شك فيه ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رجل مال قبل ان يكون رجل سياسة، وهو يتعامل مع مجريات الأحداث والمواقف والعلاقات الدولية على اساس الربح والخسارة. ولقد افصح ترامب عن كل ذلك خلال حملته الانتخابية. ورغم فوضويته وما يمكن وصفه بالرعونة، الا انه الأصدق من بين كل الرؤساء الأمريكان في تنفيذ ما وعد به ابتداء من نقل السفارة الأمريكية الى القدس ومرورا بخروج امريكا من الاتفاق النووي مع ايران وجملة من الاتفاقيات الدولية والاعتراف بعائدية الجولان المحتلة الى الكيان الصهيوني وانتهاء بإلزام السعودية ومشايخ الخليج بدفع مئات المليارات ثمناً لحمايتهم وبقائهم في الحكم. وها نحن نشهد عملية الحلب المستمر لأموال النفط السعودية والخليجية مع توجيه الإهانة والاذلال للعوائل الحاكمة من قبل ترامب وبشكل لم يخطر على بال احد حتى ادمن ملك السعودية ومحمد بن سلمان على الإهانة وامست امراً بديهياً اعتادوا عليه.
ومما لا شك فيه ان سياسة امريكا عموما وترامب على وجه الخصوص هو التهديد والضغط باقصى ما يمكن على الأطراف المراد ابتزازها او اخضاعها لإرادة امريكا ومن ثم التعامل معها وفقا لطبيعة الرد المقابل ومدى قوة الطرف الآخر كما انه أمسى من المعلوم بعد التجارب الكثيرة لامريكا في كل حروبها انها لا تقدم على معركة او تدخل حربا إلا اذا تاكدت ان نسبة النصر فيها مئة بالمئة. وقد اضاف ترامب لهذه المعلومة شرط ان تكون المعركة رابحة ماديا وغير مكلفة لذلك تبدأ بحساب قوة الخصم مع دراسة الجوانب النفسية والمعنوية والمادية لذلك الخصم لقياس مدى قوته وقدرته على المواجهة.
إن هذه الحقيقة هي ما شهدناه في جميع صراعات امريكا، لذلك فإن الحرب النفسية هي المفتاح لحروبها ونقطة الشروع الأولى لأنها تدرك وكما حصل مع العراق سابقا حيث كان للحرب النفسية وقع الزلزال على ازلام النظام البعثي بأنها اذا استطاعت الانتصار بالمعركة نفسيا فإن انهيار العدو سوف يكون بالنتيجة هو تحصيل حاصل ليس الا.
اليوم وفي الأزمة المتصاعدة مع إيران ورغم كل الهجمة الاعلامية التي سخّرت لها قنوات عربية وعالمية اصواتا نشاز ضد ايران حكومة وشعبا إلا ان ايران استطاعت عبر الحكمة والصبر والتحدي ان تقلب السحر على الساحر حيث فشلت امريكا في تحقيق ما كانت تطمح اليه في احداث خرق بالحالة النفسية على مستوى القيادة او الشعب الإيراني رغم التداعيات الكارثية للحصار والعقوبات التي وصفها ترامب بالأقسى بل تحولت ضغوظ امريكا على ايران إلى صراخ حلفائها وادواتها في المنطقة والخليج، حيث استطاعت ايران ان تجعل الاوضاع النفسية لحلفاء امريكا في حال متدنية ومهزومة وليس العكس.
من هنا صار واضحا ان امريكا تعيد حساباتها، وان ترامب ينتقل تدريجياً الى لغة اكثر هدوءاً من قبل في التصريحات خاصة عند لقاء ترامب مع الرئيس الياباني وهو ما دعا بعض المتابعين في مراكز الدراسات الى التوقع ان يكون هناك في الايام القادمة انتقال لغة الوعيد والتهديد بين امريكا وايران الى لغة حوار ومصالحة. وهو ما يزيد من قلق السعودية ومحور التحريض على الحرب بعدما دفعت اموالا طائلة لترامب لدفعه الى المغامرة فيها دون جدوى و(راحت فلوسك يا سلمان).

