Pdf copy 1

بقلم/ الباحث السياسي زمن رشيد
لم تكن البطالة يوماً مجرد رقم يضاف إلى جداول الإحصاء السنوية، بل هي في جوهرها العميق قصة حزن صامت، وتآكل تدريجي لروح الإنسان، وانطفاء بطيء لشغف كان يوماً يملأ الصدور؛ إذ إن تحويل الكائن الحي من عنصر فاعل يصنع الحياة إلى مجرد متفرج على قطارها وهو يمضي سريعاً دونه يورث اغتراباً وجودياً مريراً، يجعل الشاب الذي أمضى زهرة عمره يلتهم الكتب غريباً في بيته، وثقيلاً على نفسه، ومحاصراً بنظرات مجتمع يخلط بظلم شديد بين غياب الفرصة وبين الكسل، لينعكس هذا الوجع زلزالاً يضرب أركان المجتمع بالكامل؛ فنفسياً تنمو في عتمة الانتظار بذور الاكتئاب والدونية، واجتماعياً تؤجل أحلام بناء العائلات والاستقرار ليصبح الزواج رفاهية مستحيلة وتتحول الطاقات الحيوية إلى إحباط مزمن يدفع نحو الهجرة والمخاطرة بالحياة خلف البحار، وفلسفياً تفقد الأوطان أثمن ما تملك وهي عقولها الشابة التي تفضل الموت إبداعاً أو هجرة على أن تظل معلقة على أرصفة المقاهي، في تناقض صارخ يضع «جيل الشهادات» في طابور معطل نتيجة فجوة بنيوية دقيقة بين تعليم يغرد خارج السرب وسوق عمل لا يرحم، وغياب رؤى استراتيجية تدرك أن الاستثمار الأول هو الإنسان، ولن يلتئم هذا الجرح النازف إلا بتحول جذري وعميق في فلسفة تنمية المجتمع لينتقل من مربع «المستهلك المستسلم» إلى فضاء «المنتج الفاعل»، وهي نقلة لا تحدث بالشعارات بل بإعادة صياغة العقل الجمعي ليتخلى عن ثقافة الاتكال وانتظار الوظيفة النمطية، ومن ثم ثورة في المناهج التعليمية تحول المدارس والجامعات من حاضنات للتلقين إلى مصانع للمهارات الحقيقية والابتكار، مع دعم حقيقي للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر وتوفير بيئة استثمارية مرنة تحتضن أفكار الشباب وتحولها إلى مشاريع على أرض الواقع، ليتوقف نزيف الهدر في الزمن الذي هو المادة الخام للحياة، وتتحول الأيادي المعطلة من عبء يستهلك مقدرات الوطن إلى سواعد تنتج كرامتها وتصنع غدها، وتُعاد للعمل قدسيته الشريفة التي تنتشل الإنسان من رماد العجز إلى نور الفعل والوجود.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *