Pdf copy 1

طه حسن الأركوازي
لم تعد أزمات العراق مُجرد ملفات مُتفرقة تنتظر حلولاً إدارية أو قرارات حكومية عابرة ، فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير ، نحن أمام تراكم طويل من اختلالات الإدارة ، وضُعف التخطيط ، وتضارب المصالح السياسية ، وأستشراء الفساد ، وتراجع كفاءة المُؤسسات حتى أصبحت الدولة في كثير من الأحيان مُنشغلة بإدارة الأزمات أكثر من قُدرتها على منع نشوئها .
والسؤال الأكثر أهمية اليوم ليس هو لماذا تتعدد أزمات العراق ، بل لماذا يعجز العراق ، رغم ما يمتلكه من موارد وخيرات ، وقدرات بشرية من كفاءات ونخب ومتخصصين ، وموقع أستراتيجي مُهم ، عن تحويل هذه الأزمات إلى فُرصة لإعادة بناء الدولة .؟
الفساد هُنا لا ينبغي النظر إليه بوصفه مُجرد جريمة مالية يرتكبها أفراد ، وإنما بأعتباره خللاً بُنيوياً عندما تتداخل المصالح السياسية مع الإدارة العامة ، فتُمنح المناصب على أساس الولاء ، وتُدار بعض المُؤسسات بمنطق النفوذ لا بمنطق الكفاءة ، وتصبح الموارد العامة مجالاً للتنافس ، بدلاً من كونها أداة لبناء المُستقبل ، وعندما يضعف القانون أمام المصالح تتراجع هيبة الدولة وتصبح الإصلاحات نفسها مُهددة من داخل النظام الذي يُفترض أن يحميها .
لكن تحميل الفساد وحده مسؤولية المشهد لا يكفي ، فالعراق يعاني أيضاً من أزمة في فلسفة إدارة الدولة ، إذ كثيراً ما تأتي المُعالجات كرد فعل على الأزمة بعد وقوعها لا ضمن أستراتيجية تستشرفها قبل حدوثها .
فالاقتصاد يُدار تحت رحمة تقلبات أسعار النفط ، فيما تُعالج ملفات المياه والطاقة والسكن والبطالة والفقر والخدمات بمنطق تجزيئي ، وكأن كُل أزمة منها مُنفصلة عن الأخرى ، بينما الحقيقة أن هذه الملفات مُترابطة ، وأن مُعالجتها لا يُمكن أن تقوم على ردود أفعال مُؤقتة ، بل تحتاج إلى رؤية وطنية مُتكاملة ، وأستراتيجية طويلة الأمد ، وإدارة تمتلك القُدرة على تحويل الموارد إلى سياسات مُستدامة .
والتجارب الدولية تؤكد أن التعثر الإداري والاقتصادي ليس قدراً محتوماً ، وأن الدول التي أمتلكت الإرادة السياسية ، والرؤية بعيدة المدى أستطاعت أن تنتقل من الأزمات إلى بناء مُؤسسات أكثر كفاءة ، وأقتصادات أكثر تنوعاً وأستقراراً .
وقد نجحت دول مثل “ماليزيا وإندونيسيا والإمارات وتركيا وأيران” ، بدرجات وتجارب مُختلفة ، في تجاوز مراحل صعبة من خلال إعادة بناء منظومات الإدارة والاقتصاد والتنمية والانتقال من مُعالجة الأزمات إلى التخطيط للمستقبل .
أما العراق ، فما يزال يدور في الحلقة ذاتها ، تتغير الحكومات ، وتتبدل الخُطط ، وتتعدد اللجان ، لكن الأزمات تعود بأسماء مُختلفة لأن أصل المُشكلة لم يُعالج بعد ، غياب المشروع الوطني الذي يحوّل إدارة الأزمات من سياسة يومية إلى أستراتيجية دولة .
المطلوب اليوم حكومة تضع أستراتيجية وطنية لعشر أو عشرين سنة ، لا برنامجاً ينتهي بأنتهاء دورة سياسية .
وإدارة تُسند المسؤولية فيها إلى الكفاءة والخبرة والتخصص والنزاهة ، ونظام رقابي لا يكتفي بمُلاحقة الفاسد بعد وقوع الجريمة ، بل يغلق المنافذ التي تسمح بحدوثها .
وأقتصاد يُقلل تدريجياً أعتماده على النفط ، ويُعظم الإيرادات غير النفطية ، ويفتح المجال أمام الاستثمار المُنتج .
وسياسة خارجية تجعل المصلحة العراقية معياراً ثابتاً في علاقات العراق الإقليمية والدولية .
أخيراً وليس آخراً … إن العراق اليوم أمام أختبار حقيقي :
إما أن تستمر الدولة في تدوير أزماتها .
أو تبدأ بإعادة إنتاج نفسها على أساس المُؤسسات والقانون والتخطيط والكفاءة . وهذه ليست مسؤولية الحكومة وحدها ، بل مسؤولية الطبقة السياسية بأكملها ، فالدول لا تنهض بكثرة القرارات ، وإنما بحُسن أختيار الأولويات ، وأستمرار السياسات ، وشجاعة الإصلاح .
وإذا كانت الأزمات قد كشفت ضُعفاً في إدارة الدولة ، فإن الحكمة تقتضي أن تتحول هذه الأزمات إلى لحظة مُراجعة تاريخية ، فالعراق لا يحتاج إلى مُعجزة ، بل يحتاج إلى دولة تعرف ماذا تريد ، وكيف تصل إليه ، ومن يملك الكفاءة والنزاهة والتخصص لتنفيذه ، فالأزمة قد تكون عابرة حين تُحسن الدولة إدارتها ، لكنها تصبح نظاماً حين تعجز الدولة عن معالجة أسبابها ، والعراق لا يحتاج إلى من يدير أزماته فحسب ، بل إلى من يملك شجاعة إنهائها …!

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *