المربي الحاج رحيم عبد الرزاق الاسدي
المقدمة: عندما يفتح الله على قلبك وبصيرتك وتكون عميقة وعاءً من أوعية النور الفكري، ترى بـ المصفوفة التأسيسية الأم التي تُعيد قراءة المعرفة السياسية والتاريخية والاقتصادية للبشرية من نقطة التكوين الأولى.
فيكون هذا التدفق المعرفي الباهر هو (الاساس العقائدي والسيادي) الذي تدور عليه بقية الدروس؛ فبدونه تكون الحوكمة السياسية مجرد قشرة إدارية جافة، إن وقوفنا على معادلة: (الملَكة في مقابل العُقدة)، و (وحدة المنهج الآدمي في مقابل ثنائية التمزيق الشيطاني).
هي الإعجاز المعرفي القراني الذي نقف به على (الدرس الأول والتأسيسي: المعرفة التكوينية لسياسة الإرادة والمنظومة الآدمية العليا)، ليكون هو عتبة الدخول وبوابته الكبرى التي تُبنى عليها الفصول اللاحقة.
الهدف من البحث: تأصيل (وحدة المنهج الآدمي) القائم على (الملَكة) ومنابعها الستة، وتفكيك (المنهج الشيطاني الاثنيني) القائم على (العُقدة) وتمزيق توازنات الاقتصاد والحياة، والربط الحركي بين البواطن الستة والمخارج والمداخل السبعة لبناء دولة الله في الأرض.
التمهيد: الجذر التكويني للصراع: تتعامل العلوم السياسية والاقتصادية المعاصرة مع المناهج الحاكمة (كالرأسمالية والاشتراكية) بوصفها نتاجاً لتطور فكري بشري محض، وتغفل عن الجذر التكويني والباطني المحرك لهذا الصراع الشاخص في واقعنا المعاش، لقد انحرفت البشرية في مساراتها التنموية بسبب تغييب (المنهج الآدمي الأول) الذي وضعه الله تبارك وتعالى كمنظومة موحدة لتدبير وإدارة ملف الحياة.
إن هذا البحث التأسيسي يغوص في عمق الوجود لبيان أن الصراع على الأرض ليس صراعاً على المغانم فحسب، بل هو صراع بين (منهج الملكة الآدمية الواحدة المتوحدة) وبين (منهج العقدة الشيطانية المركبة المقهورة)، إن فهم هذا الصراع التكويني والمادي من حيث المنابع والمخارج هو الخطوة الأساسية الأولى لبناء الوعي السياسي والايماني لدى جيل التمهيد الصادق.
المتن الفكري: هندسة المنابع الستة بين الملَكة والعُقدة.
ميزان الصراع الباطني بين المناهج.
وفي منهج الملَكة الآدمية:
وحدة المصدر – محمد وآل محمد،
بواطن7 طيبة، صادقة، وباصرة،
المخرج: مخارج ومداخل جوارح سبعة.
في منهج العُقدة الشيطانية.
التفريق – أصحاب الهوى والنقض،
بواطن7 خبيثة، كاذبة، وعمياء،
المخرج: نفث في العُقد والجوارح.
أولاً: وحدة الباطن الآدمي واعتلال المنهج الشيطاني: خلق الله عز وجل آدم (عليه السلام) من نفس واحدة، وجعل البواطن السبع (المنبع والمطالع) محكومة بنظام سيادي واحد تقوده الروح المتصلة بالحق؛ وتُسمى هذه المنظومة في جبلة الإنسان بـ (الملَكة). الملَكة هي المصدر الذي يُنبت الملائكية في الإنسان، ومنها خُلقت الملائكة حقيقةً (من العقل والآراء والأفكار الطاهرة)، ولذلك سجدت لآدم لأنها رأت فيه حقيقة محمد وآل محمد (عليهم السلام) بوصفهم أسماء الله، ومعانيه ووحدة الاسم والمعنى.
وفي المقابل، برز المنهج الشيطاني الرافض لهذه السيادة والوحدة القائمة على التربية الإلهية (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي)، مرتداً إلى أصله المادي النرجسي (أنا خير منه)، فأسس (العُقدة). الشيطان لا يملك قدرة على خلق منهج جديد من العدم، بل إن طريقته قائمة على (النفث في العُقد) لتمزيق وحدة المنابع وتوليد الأضداد:
ثانياً: الاقتصاد السياسي للمنهج الآدمي والمنهج الشيطاني: تتجلى عبقرية المنهج الآدمي الواحد في قدرته على دمج (الملك العام والملك الخاص) في سبيكة تنموية واحدة متوازنة محكومة بصفات وسنن الربوبية (الرحمن الرحيم)؛ فالرحمن هو السعة والملك التكويني العام، والرحيم هو العناية والملك الخاص اللائق بالإنسان.
التفريق الاقتصادي وامتداد الصراع: امتداد الصراع في صدر الإسلام: إن الذين خالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) واتخذوا إلههم هواهم في قريش، هم امتداد لفراخ الشيطان، لقد قتلوا المنهج الآدمي المتمثل بآل محمد، وتحولوا إلى قواطع لرحم التنمية، فتصارعوا بين رأسمالية تنهب المال العام، واشتراكية فئوية تصادر الحق الخاص، وهو ذات المنهج الذي قاتلهم عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) متمثلين في (القاسطين والمارقين والناكثين) لحماية ميزان عمارة البلاد.
فراخ الشيطان والتفريق الاقتصادي: عندما أراد الشيطان ضرب هذا التوازن، عمد إلى تفريقه إلى (إثنينية مركبة مقهورة(، فأسس نظاماً يعتمد على الملك الخاص دون العام (فتولدت الرأسمالية الجشعة التي تنهب ثروات الأمة لخدمة الخاصة)، وأسس نظاماً مقابلاً يعتمد على الملك العام دون الخاص (فتولدت الاشتراكية التي تسحق حافز الفرد وتصادر حريته).
ثالثاً: ميكانيكية التشغيل – المخارج والمداخل السبعة: إن كل ما يختلج في البواطن والمنابع السبع النية والمشاعر والافكار والبصيرة والضمير والسريرة والحس لا يبقى حبيس النفس، بل يتحرك عبر (المخارج والمداخل السبعة للجوارح): (العين، الأذن، اللسان، اليد، الرجل، البطن، الفرج).
في منهج العُقدة: ينفث الشيطان في هذه العُقد لتخرج عبر الجوارح السبعة في صورة فساد مالي، وابتزاز، وجفاء، وظلم، وتعطيل للسنن، والأنظمة.
في منهج الملَكة: تتدفق طهارة البواطن عبر هذه الجوارح السبعة لتتحول إلى أعمال صالحة، وعمران، ونزاهة، ورفق بالرعية.
السنن الثلاث الحاكمة للمنظومة الحضارية: السنن التكوينية: وهي النظام الصارم الذي يقود الكون والتكوين، وهي ثابتة لا تتغير (كنظام الجاذبية وحركة الأفلاك والفطرة البشرية).
السنن الأخلاقية: إن كانت متناغمة مع السنن التكوينية أصبحت (سنناً أخلاقية محمودة كالعدل والصدق والرفق)، وإن انحرفت عنها تحولت إلى (سنن أخلاقية مذمومة كالظلم والكذب والجشع).
السنن التاريخية: وهي الوعاء والكيس المعبأ بالسنن الأخلاقية؛ إن كانت محمودة فالتاريخ محمود يُستضاء به لبناء الأوطان، وإن كانت مذمومة فالتاريخ مذموم يورث النقم وزوال الدول (الغيّر).
التطبيقات التنموية والواقعية – إسقاط المنهج على واقعنا المعاش.
إصلاح البنية الاقتصادية في العراق والواقع الإسلامي: نرى بوضوح في واقعنا المعاش تخبطاً كبيراً بين (رأسمالية وحشية منفلتة تبيح لحيتان الفساد والخاصة جرد المال العام والملك المشاع للشعب)، وبين (عقليات بيروقراطية اشتراكية تعطل مبادرات الشباب والقطاع الخاص وتكتم أنفاس الاستثمار المستدام)، تطبيق المنهج الآدمي يفرض دمج الكفتين: حماية الملك العام (ثروات النفط والبنى التحتية) وتوظيفها لخدمة العامة، بالتوازي مع تحفيز وتمليك الملك الخاص للشباب والمبدعين عبر مشاريع زراعية وصناعية وتكنولوجية حرة محمية بالقانون والإنصاف العلوية.
تحصين الكوادر والموظفين من ثقافة النفث في العُقد: عندما يدخل الشاب المؤمن إلى الوظيفة العامة أو الإدارة السياسية، يجب أن يدرك أن حماية أداء جوارحه ومخارجه السبعة (نزاهة يده، عفّة بطنه، صدق لسانه) مشروطة بـ (تطهير منابع باطنه الستة بـ الملَكة الآدمية). الموظف الذي يملك نية صادقة، وسريرة كريمة، وضميراً حياً، وبصيرة باصرة، يستحيل أن يتحول إلى مرتشٍ أو جافٍ أو معطل للسنن القوانين، لأنه يتحرك بنظام كوني موحد.
الهندسة الإعلامية والرقمية: هذا البحث التأسيسي يحتم على منصاتنا الايمانية الرقمية وحلقاتنا المرئية والمسموعة ألا تطرح المفاهيم بشكل مجزأ. يجب أن نرسخ في عقول النخب الأكاديمية والجامعات (وحدة الاسم والمعنى العلوية)، كاشفين عورات المناهج المادية الشيطانية (الرأسمالية والاشتراكية الفاسدة) التي فرخت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في بلداننا، وطرح المنهج الآدمي المحمدي كخارطة طريق وحيدة وشاملة لإدارة ملف الحياة والدولة بوعي وتمهيد استراتيجي مسدد.


لا يوجد تعليق