Pdf copy 1

المربي الحاج رحيم عبد الرزاق الاسدي

كيف تفسد العامة من الناس؟
لما سُئل أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) كيف تفسد العامَّة من النّاس قال (عليه السلام):
إنَّما هي من فساد الخاصَّة، وإنّما الخاصّة يُقسمون على خمس:
1. العلماء: وهم الأدلّاء على الله.
2. الزهّاد: وهم الطريق إلى الله.
3. التجّار: وهم أمناء الله.
4. الغزاة: وهم أنصار دين الله.
5. الحكام: وهم رعاة خلق الله.
فساد الخاصّة يُتلف الناس.
• فإذا كان العالِم طمّاعاً وللمال جمّاعاً … فبمن يستدل؟
• وإذا كان الزاهد راغباً ولما في أيدي الناس طالباً … فبمن يُقتدى؟
• وإذا كان التاجر خائناً وللزكاة مانعاً … فبمن يُستوثق؟
• وإذا كان الغازي مرائياً وللكسب ناظراً … فبمن يُذبّ عن المسلمين؟
• وإذا كان الحاكم ظالماً وفي الأحكام جائراً … فبمن يُنصر المظلوم على الظالم؟
فوالله ما أتلف الناس إلّا العلماء الطمّاعون، والزهّاد الراغبون، والتجّار الخائنون، والغزاة المراؤون، والحكّام الجائرون.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون والعاقبة للمتقين﴾
الدولة العميقة المتكونة من هذا النخب الخمس عالم طماع وزاهد راغب وتاجر خائن ومجاهد مرائي وسياسي حاكم جائر هي سبب تلف العامة فكريا ودينيا وعمليا.
المقدمة: هذا النص العلوي الخالد هو بمثابة (مبضع الجرّاح) الذي يفكك البنية العميقة للدول والمجتمعات، أمير المؤمنين (علي السلام) هنا لا يتحدث عن القشور، بل يضع يده على (الدولة العميقة) ومفاصل التوجيه الحقيقية التي تقود الرأي العام وصناعة القرار (الدين، الاقتصاد، الأمن، السياسة، الروحيات).
الهدف من البحث:
1. تأصيل مسؤولية النخب: تأصيل مسؤولية النخب (الخاصة) في صلاح أو فساد المجتمع (العامة).
2. تفكيك الأبعاد الخمسة: تفكيك الأبعاد الخمسة لقيادة الدول (الفكري، الروحي، الاقتصادي، العسكري، والسياسي).
3. الإســـــــقاط التشريحي: إسقاطها تشريحياً على واقعنا العراقي والإسلامي المعاش.
الربط الواقعي والتنموي: في العلوم السياسية وعلم الاجتماع الحديث، هناك نظرية تُعرف بـ (حتمية النخبة)
وتقول إن أي مجتمع -مهما كان ديمقراطياً- تُديره فئة قليلة تملك أدوات القوة والمال والحرب المعرفي.
عندما تتذمر الشعوب اليوم من الفساد المستشري، تنظر غالباً إلى صغار الموظفين أو السلوكيات العامة، لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقلب الطاولة في هذا النص الاستراتيجي ليعلن قاعدة حاسمة: (إنَّما فسادُ العامَّة من فسادِ الخاصَّة).
إذا أردنا أن نفهم لماذا يعاني واقعنا العراقي والإسلامي المعاصر من أزمات بنيوية خانقة رغم ثرائه بالموارد والعقول، فلننظر إلى المفاصل الخمسة التي ذكرها الإمام. إن الخراب لا يبدأ من الشارع، بل يبدأ من البرج العاجي للنخب عندما تتخلى عن وظيفتها الايمانية والوطنية والتنموية وتحول المنظومة إلى دكاكين ومغانم شخصية، مما ينتج ما يُصطلح عليه اليوم بـ (الدولة الفاشلة) أو (الدولة العميقة الفاسدة).
القواعد العشر ومفاتيحها الفكرية:
• القاعدة الاولى: تبعية العامّة لسلوك الخاصّة:
أ‌. النص المرجعي: قول أمير المؤمنين عليه السلام: (إنَّما هي من فساد الخاصَّة).
ب‌. مفتاح القاعدة: (القدوة وصناعة الرأي العام)، الأخلاق العامة والنظام المجتمعي تابعان طردياً لنزاهة النخب القيادية. إذا فسدت النخبة، أصبح الفساد ثقافة مجتمعية عامة.
• القاعدة الثانية: تسليع الدين وارتكاس النخبة الفكرية:
أ‌. النص المرجعي: قوله عليه السلام: (فإِذَا كَانَ العَالِمُ طَمَّاعاً وَلِلْمَالِ جَمَّاعاً فَبِمَنْ يُسْتَدَلُّ؟).
ب‌. مفتاح القاعدة: (الأمن الفكري والأيديولوجي)؛ عندما يتحول المفكر، أو الأكاديمي، أو رجل الدين إلى موظف في بلاط المصالح الجشعة، يضيع الدليل الفكري للأمة وتعيش التضليل والجهل المركب.
• القاعدة الثالثة: سقوط القدوة الروحية والتنموية:
أ‌. النص المرجعي: قوله عليه السلام: (وَإِذَا كَانَ الزَّاهِدُ رَاغِباً وَلِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ طَالِباً فَبِمَنْ يُقْتَدَى؟).
ب‌. مفتاح القاعدة: (رأس المال الأخلاقي)، الزهد ليس دروشة، بل هو نزاهة وترفع، إذا تحول الموجهون التربويون والروحيون إلى طلاب نفوذ ومناصب، تفقد الأمة ثقتها بالقيم وتصاب بالإحباط النفسي والروحي.
• القاعدة الرابعة: تغول الجشع المعاملي وأمانة المال:
أ‌. النص المرجعي: قوله عليه السلام: (وَإِذَا كَانَ التَّاجِرُ خَائِناً وَلِلزَّكَاةِ مَانِعاً فَبِمَنْ يُسْتَوْثَقُ؟).
ب‌. مفتاح القاعدة: (الأمن الاقتصادي والائتماني)؛ خيانة النخب الاقتصادية ورجال الأعمال لالتزاماتهم الوطنية والشرعية، واكتنازهم للأموال يضرب ركيزة (الثقة) في السوق ويسبب الركود والطبقية.
• القاعدة الخامسة: انحراف العقيدة العسكرية والأمنية (خصخصة السلاح):
أ‌. النص المرجعي: قوله عليه السلام: (وَإِذَا كَانَ الْغَازِي مُرَائِياً وَلِلْكَسْبِ نَاظِراً فَبِمَنْ يُذَبُّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ؟).
ب‌. مفتاح القاعدة: (الأمن القومي والعسكري)؛ إذا تحول الجندي أو القائد الأمني إلى باحث عن الكسب المالي والمقاولات والامتيازات (المراباة والنفعية)، تسقط عقيدة الدفاع وتتحول القوة إلى أداة ابتزاز بدلاً من حماية الوطن.
• القاعدة السادة: انحراف جهاز المحاسبة وسقوط نصرة المظلوم:
أ‌. النص المرجعي: قوله عليه السلام: (وَإِذَا كَانَ الْحَاكِمُ ظَالِماً وَفِي الْأَحْكَامِ جَائِراً فَبِمَنْ يُنْصَرُ الْمَظْلُومُ عَلَى الظَّالِمِ؟).
ب‌. مفتاح القاعدة: (صمام أمان العدالة الناجزة)، الظلم عندما يصدر من السلطة السياسية والقضائية والتنفيذية يعني غياب الملاذ الآمن للمواطن، وتشرعن الغابة الإدارية في الدولة.
• القاعدة السابعة: الحتمية السيادية لتلف الدول والمنظومات:
أ‌. النص المرجعي: قوله عليه السلام: (فَوَاللَّهِ مَا أَتْلَفَ النَّاسَ إِلَّا الْعُلَمَاءُ الطَّمَّاعُونَ…).
ب‌. مفتاح القاعدة: (السبب الحقيقي للفشل الحضاري)، انهيار الحضارات والدول والشركات هو نتاج مباشر لـ (خيانة الأمانة الوظيفية) من قِبل نخبها الخمس، وليس بسبب نقص الموارد الخارجية.
• القاعدة الثامنة: تلازم الباطن الظاهري بالباطن العميق للدولة:
أ‌. النص المرجعي: الاستنباط من تصنيف الإمام للأبعاد الخمسة (فكر، روح، اقتصاد، أمن، سياسة) كأعمدة متداخلة تشكل الباطن العميق لإدارة شؤون البلاد. تلف البواطن السبع يعطي نتيجة عملية تلف المخارج السبع.
ب‌. مفتاح القاعدة: (الرؤية البنيوية العميقة)، لا يمكن إصلاح المشهد السياسي (الظاهري) دون إصلاح المنظومة الاقتصادية والفكرية والأمنية (الباطن العميق) التي تحركه من الخلف.
• القاعدة التاسعة: المحاسبة المغلظة للنخب والقيادات:
أ‌. النص المرجعي: الآية الختامية: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون﴾، ظالم لنفسه بواطن ظالم لغيره مخارج.
ب‌. مفتاح القاعدة: (المسؤولية الجنائية والتاريخية)، الظلم الصادر من النخبة جرمه مضاعف عند الله وعند التاريخ، لأن حركتهم الخاطئة تحرف أمة بأكملها وتدمر مستقبل أجيال.
القاعدة العاشرة: العاقبة التنموية والاستراتيجية للمتقين المصلحين:
أ‌. النص المرجعي: الختام: (والعاقبة للمتقين).
ب‌. مفتاح القاعدة: (الحتمية التاريخية للنهوض)، إن البقاء والاستدامة الحضارية في نهاية المطاف هي للمنظومــــات والكوادر والمؤسســــات التي تتمسك بالتقوى والنزاهة المؤسساتية في الأبعاد الخمسة.
التطبيقات التنموية والواقعية: إنزال على الواقع العراقي والإسلامي المعاش:
حين نأخذ هذا المشرط العلوي ونشرح به الواقع العراقي والإسلامي المعاصر نكتشف الباطن العميق للأزمات:
1. الأبعاد الدينية والفكرية والروحية (العلماء والزهّاد): نرى بوضوح في واقعنا كيف أن بعض واجهات العلم والدين تحولوا إلى (جامعين للمال) وطامعين بالمناصب والمحاصصة والامتيازات، والبعض ركن إلى تملق الجمهور أو أصحاب السلطة، فسقطت قيمة القدوة، ونتج عن ذلك شيوع التشكيك والالحاد المعرفي والروحي بين الشباب؛ لأنهم رأوا دليلاً طماعاً وزاهداً طالباً لما في أيدي الناس.
2.البُعد الاقتصادي (التجّار الخائنون): في واقعنا المعاش، تتمثل الخيانة الاقتصادية في مافيات تهريب العملة، واحتكار السلع الأساسية، وابتزاز السوق، والتهرب من الالتزامات الجمركية والضريبية الشرعية (منع الزكاة والحق الوطني)، والاستيراد العشوائي الذي يدمر المنتج المحلي وصناعة ومزارع شبابنا، مما أفقد المنظومة المالية (الوثوق والأمان الاقتصادي).
التطبيقات التنموية والواقعية: الأبعاد الأمنية والسياسية:
3. البُعد الأمني والعسكري (الغزاة المراؤون): يُسقط الإمام بعبقرية مذهلة على ظاهرة (تسييس السلاح وخصخصته) وتحوله إلى تجارة ومقاولات ونفوذ ذاتي (للكسب ناظراً ولكسب المنافع مرائياً)، عندما تخرج البندقية أو الجهاز الأمني عن عقيدة حماية المواطن والحدود، وتلتفت نحو الاستثمار المالي والسياسي والرياء الإعلامي، يهتز الأمن القومي وتُنتهك أطراف البلاد وأمصارها.
4. البُعد السياسي والتنفيذي (الحكّام الجائرون): وهو المظلة التي تجمع ما سبق، حكام ومسؤولون ومدراء يتعاملون مع القوانين بانتقائية جائرة، ويوزعون المناصب والموازنات في باطن الدولة العميق بناءً على المصالح الضيقة والمحاصصة الحزبية، فغاب (النصر للمظلوم)، وشعر المواطن العراقي والإسلامي بأنه بلا ظهر يحميه داخل وطنه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *