حسن العامري
عجيبٌ أمر هذا البلد؛ مليارات تُحوَّل، ومليارات تُخبَّأ، ومليارات أخرى تظهر في روايات متلاحقة، بينما يُطلب من المواطن أن يتحمل شظف العيش وكأنه شريك في أخطاء لم يرتكبها.ومسؤل شريف يحكم بالسجن كقائم مقام النجف الاشرف الذي يعمل بكل تفاني واخلاق ،فيما تتناقل الاخبار دراسة اطلاق سراح سراق المليارات !!! نتحدث عن أرقام بالمليارات، وعن أموال يُقال إنها خرجت أو اختفت أو وُجدت مخبأة بطرق لا تخطر على بال،اليوم تتناقل الاخبار مسائلة مسؤول عراقي ينقل ملياري دولار الى استراليا خلال اربعة اشهر ، واخبار تتحدث عن الكشف عن عدد من المليارات مخبأة خلف جدار تم بناءه ونقشة بشكل جديد وعدد من السيارات الفاخره ،ناهيك عن ماتم اكتشافه سابقا من سبائك ذهبيه و(اندر وير ) واموال. وفي الجهة الأخرى شاب عراقي يتخرج من الجامعة حاملاً شهادة وأحلاماً، ثم يجد نفسه بعد سنوات الدراسة جالساً على الرصيف ينتظر فرصة عمل لا تأتي. ومتقاعدٌ أفنى عشرات السنين من عمره في خدمة الدولة، ثم حين يصل إلى نهاية الطريق لا يجد ما يليق بتلك السنوات؛ راتباً محدوداً، واحتياجات تتزايد، وأسعاراً لا ترحم، فيما يسمع في الأخبار عن أرقام لو أُنفقت في مكانها الصحيح لغيّرت حياة آلاف العائلات. وهنا يجب ألا يكون السؤال: كم سُرق؟
بل السؤال الأخطر: كيف أصبح ممكناً أن تُسرق مليارات من أموال الدولة، بينما اخبار التهديدات المحيطة بالبد تتوالا فيما السلاح المتوفر لايفي لاطمأنان العراقي على مصير بلده !! بينما يصبح توفير راتب عادل لموظف أو متقاعد قضيةً ثقيلة على خزينة الدولة؟
كيف يصبح المال العام متاحاً بهذا السخاء حين يتعلق الأمر بصفقة مشبوهة أو فساد أو عمولات ، ثم يتحول إلى مالٍ “عزيز” حين يتعلق الأمر بتحسين رواتب الموظفين والمتقاعدين أو توفير فرص العمل للخريجين؟ البعض كان شعارة رفع الحالة المعاشيه للشعب ليتضح بعد ذلك انه من شيوخ السرقات !! إن المشكلة ليست في أن العراق فقير؛ العراق بلد يمتلك موارد هائلة. المشكلة في كيف تُدار هذه الموارد، ومن يستفيد منها، ومن يدفع ثمن سوء إدارتها. والأخطر من الفساد المالي هو أن يتحول الفساد إلى ثقافة طبقية؛ طبقة تعودت على الامتيازات والأموال الضخمة والمنافع، ثم تنظر إلى المطالبة بسلم رواتب عادل وكأنها عبء على الدولة. ومن تعوّد على البذخ من المال العام لن يقنعه راتب محدود، لأن المشكلة عنده لم تعد في حجم الراتب، بل في حجم الامتياز الذي اعتاد عليه.
أما المواطن، فيُقال له: اصبر.
اصبر أيها الخريج حتى تجد وظيفة.
اصبر أيها الموظف حتى تتحسن الخدمات.
اصبر أيها المتقاعد على راتبك.
اصبر أيها الفقير على الغلاء.
لكن يبدو أن هناك فئةً واحدة لم يُطلب منها الصبر أبداً: من يتعامل مع المال العام وكأنه مال خاص.
العراق لا يحتاج إلى خطب جديدة عن مكافحة الفساد بقدر حاجته إلى عدالة حقيقية في توزيع ثروته، وقضاء لا يخاف من الأسماء الكبيرة، ورقابة تستطيع الوصول إلى المال قبل أن يختفي، ونظام رواتب يحقق العدالة بدلاً من أن يكافئ النفوذ. فالدولة التي تستطيع أن تجد المليارات حين تُسرق، يجب أن تستطيع أيضاً أن تجد ما يكفي لإعطاء مواطنها حقه. وإذا كان العراق بلداً غنياً، فلماذا يعيش أبناؤه كأنهم مواطنو بلد فقير؟ هنا تحديداً تبدأ الحكاية الحقيقية للفساد: ليس حين تختفي المليارات فقط، بل حين يصبح الفقر هو نصيب المواطن من ثروة بلاده. فهل تخلصنا من الدكتاتورية الظالمة لنسقط بمستنقع الفساد ؟


لا يوجد تعليق