Pdf copy 1

منهل عبد الأمير المرشدي
كعادته جائني صديقي ابو حسين ليصبّح عليه لكنه كان منزعجا ويبدو عليه الإمتعاض وحين سألته عن السبب قال لي إن الوضع في البلاد لم يعد يحتمل وكل يوم يبدو اتعس من الذي قبله وكلما تأملنا خيرا بشخص ما او إسم معين سواء اكان في الحكومة او البرلمان نكتشف انه افسد من غيره واتعس واشد كذبا ونفاق . قلت له وما الجديد في هذا يا صديقي. نظر لي البو حسن بعين يملأها الحزن والغضب واطلق حسرة ساخنة من بين ضلوعه وقال للأسف  ( قشمرونا ) . الوصف الذي اطلقه صديقي على الغالب الأعم من الوجوه التي داهمتنا منذ سقوط الصنم ولا زالت تتحكم في شؤوننا وتأملنا بها خيرا فإذا بها تنهب ثرواتنا وتمزق بلادنا وتبث الخيبة والفتنة والياس في نفوسنا  وتؤطر حياتنا بالبؤس والخذلان  جعلني اتأمل في معنى كلمة ( قشمرونا ) واصلها وفصلها وحسبها ونسبها وهل هي حقا ما يمكن ان نصف به حالنا اليوم . لقد بحثت في معاجم اللغة العربية فلم اجد لكلمة القشمرة او قشمرونا القشمر أي دلالة او معنى في لغة العرب فرحت ابحث عن المصطلحات الهجينة التي تداخلت مع لغتنا وفي حياتنا خصوصا نحن في بلاد الرافدين ما بين مفردات تركية او فارسية والتي اصبحت مستساغة مألوفة في مفردات حياتنا اليومية فوجدت هناك شبه اجماع بين الباحثين  في شأن اللهجات المستخدمة عندنا فوجدت ان اصل المفردة (قشمر) هي انها من اللغة الفارسية وهي تتكون  من مقطعين  غاش ـ مار  وكلمة غاش تعني قليل الفهم  أما كلمة مار فتعني المريض او العليل او الضعيف بدنيا  لكنها تطلق لدينا على الشخص الذي لا ارادة له ولا قابلية على فهم او تدارك حيلة الآخر اي انه سوف يضلله .اقول مهما كان كان معنى الكلمة وكيفما كانت دلالتها الا انها في النهاية تعني ان هناك طرف كاذب وآخر مكذوب عليه  او طرف خادع وآخر مخدوع  وليس طرف غالب وآخر مغلوب او طرف منتصر وآخر مهزوم  وعليه فأن ما  يعنيه صديقي ابو حسن  بوصف للسياسيين العراقيين مهما كان مصداقه في معنى كلمة قشمرونا فأنه يمثل وصف يليق بهم فعلا لما فعلوا  وفسدوا وسرقوا ونكثوا وظلموا وغدروا وخانوا وفشلوا وقدموا اسوأ ما يمكن ان يقدموا بعدما تسابقوا لاهثين من غير وعي ولا حياء وراء المال  والثروة  فكان كل همهم وغمهم وفكرهم وتفكبرهم  والشاغل الأول والأخير لهم هو المنصب والمال مهما كان مصدره سحت حرام وسم زؤام . نعم قشمرونا لأنهم خدعونا  بشعاراتهم واقوالهم واشكالهم وتأريخ بعضهم وانساب بعضهم وأحساب بعضهم  وألقاب بعضهم  فإذا بهم لا يمتوا بصلة لدين او خلق او حسب او نسب او اصل او تأريخ مما يدعون  . نعم قشمرونا بكذبهم وزيفهم ونفاقهم  ليس لأننا (قشامر) كما يتصور البعض او كما تعني  الكلمة بقلة الفهم انما لأننا تربينا على الطيبة والفطرة السليمة وصدق الذات وحسن النوايا ولأننا كنا نبحث عن منقذ  ايا كان من ظلم الطاغوت وويل الدكتاتور ورعونة القائد الأرعن اخو هدلة وحروبه وازلامه ورعب الزمن الأغبر في جمهورية الخوف والدمار والبعث الهدام  فكانوا هم من تصورناهم سببا في رفع الحيف وانصاف المظلوم واعادة الحق ورفع الضيم عن العراق والعراقيين الشرفاء المظلومين المغلوب على امرهم فإذا بهم  بين لص فذر ومجرم خطر  وخائن زفر  وكذاّب أشر ومنافق بأكثر من وجه واكثر من صوت وأكثر من حزب واكثر من كتلة  واكثر من منصب واكثر من اسم . أما نحن فقد كنا طيبين اكثر من اللازم  بسطاء اكثر من اللازم مسالمين اكثر من اللازم وقد اسرفنا في طيبتنا وهذا هو كل ذنبنا وما يحسب علينا  ولا ادري ان كنّا سنحاسب عليه يوم اللقاء والحشر العظيم . أخيرا وليس آخر نقول لهم ما قاله قديما شاعر فراتي من محافظة النجف الأشرف في حضرة الطاغوت عندما استدعى رجال العشائر ليأخذ منهم البيعة والولاء بعد الأنتفاضة الشعبانية تحت فوهات البنادق حيث وقف احد الرجال العشائر ليلقي كلمته  أمام الطاغية صدام التي اردفها بأبيات من الشعر الشعبي الفراتي الحسجة فقال له . ( احنا وادم مو نكلّلك رجاج … لكن الطيب اليغلب اعلينه .. احنه عزرايين لو رادك لكاك … وياهو اليضم روحه على عزرايينه .. احنا نعرف طينتك ندري بهواك … ندري بهرشك بيا طينة . اتدلل والله اتدلل احنا وياك  بأمر الله..تدلل والله تدلل ).

التعليقات معطلة