Pdf copy 1

          روس دوثات
كتبت في الآونة الأخيرة أن الاتجاه المحافظ لديه مشكلة في تسرب القوميين البيض إلى صفوفه، وأن الليبرالية -تحت تأثير عودة انتعاش الشوفينية العرقية مؤخراً- أصبحت أكثر ميلاً لتشويه التيار العام من المحافظين ودمغهم بتهمة العنصرية. وتفاوتت الردود، لكن شاع انتقاد من اليسار مفاده أن أي دفاع عن المحافظين الأفراد من تهمة العنصرية، لا صلة له بالواقع البنيوي الكامن الذي فضحه العهد الحالي، وهو أن ائتلاف اليمين الأميركي قائم على العنصرية ومستمر بسببها، ولا مستقبل له باعتباره قوة أخلاقية ما لم يُعد تأسيسه من جديد والقيام قطع جذوره العنصرية.
وإحدى الرؤى المعقولة لتلك الحجة قدمها «زاك تشيني- رايس» في مجلة «نيويورك»، معتمداً على مقالي وعلى مقال لـ«توم كارني» من صحيفة «واشنطن اكزامينز» دعا فيه المؤسسات المحافظة إلى التنكر لسياسة هوية البيض. ويرى تشيني- رايس أن هذه الدعوات طيبة لكنها تقلل بشدة من شأن التحدي. ويرى الكاتب أن «العنصرية أساسية للاتجاه المحافظ الأميركي والحزب الجمهوري على وجه الخصوص منذ منتصف القرن العشرين». وسرد تشيني-رايس أمثلة كثيرة على السياسات المحافظة من معسكرات الاحتجاز على الحدود وقوانين هوية الناخبين التي تعكس تأثير العنصرية الذي يتجاوز تأثير ترامب على اليمين. ويجادل بأن جماعات المحافظين دأبوا على السياسات العنصرية منذ ريتشارد نيكسون وليس منذ عام 2016. وأشار إلى أن «الحزب الجمهوري قد ينهار إذا افتقر إلى دعم العنصريين»، وأنه لا مجال لظهور حزب جمهوري غير عنصري من دون هزيمة كاملة، ثم إعادة بناء كاملة للحزب!
وتشيني -رايس محق في أن هناك قدراً أكبر من العنصرية في اليمين أكثر مما ترغب نخبة الحزب «الجمهوري» أن تصدق أنها كانت موجودة قبل حقبة ترامب. وهو محق أيضاً في أن سياسة هوية البيض مهمة لائتلاف المحافظين منذ ستينيات القرن الماضي حين ضمنت الخيارات السياسية والاستراتيجية للحزب الجمهوري في عصر نيكسون انضمام جانب كبير من الناخبين البيض العنصريين والمحافظين المتشددين إلى الحزب الجمهوري.
لكني أختلف مع تشيني- رايس في أن هذه الوقائع الكامنة تجعل من الصعب تخيل حدوث التغيير المطلوب في معالجة سياسات المحافظين للقضايا العرقية. صحيح أن السياسيين المحافظين في عصر ترامب وما قبله دعموا سياسات لا تحابي الأقليات، لكن من الصحيح أيضاً أن سياسات الإدارات «الجمهورية» التالية على نيكسون متفاوتة الدرجات في هذا. ونيكسون نفسه أقر بعض عناصر صفقة «المجتمع العظيم»، لكنه قوض بعضها. فقد أشار نوح سميث مؤخراً إلى أن أميركا الحديثة متعددة الأعراق تم تشكيلها في السنوات الثمانية لإدارة ريجان المحافظة وأيضاً من خلال الإصلاحات الليبرالية الأصلية لعام 1965. كما عززت إدارة جورج بوش الابن الإنفاق على التعليم، أملاً في تضييق الفجوات العرقية. وحتى ترامب نفسه اتبع سياسات لا تنسجم مع إطار هوية البيض وأبرزها إصلاح في العدل الجنائي يعتمد على مساعي كل ولاية بمفردها وهو الإصلاح الذي دافع عنه محافظون وليبراليون وديمقراطيون.
والجانب العنصري في سياسات المحافظين يتعرض لمد وجزر بحسب الوضع السياسي. فحين بدأ إدراكي السياسي يتفتح في بداية تسعينيات القرن الماضي، كانت تهيمن على السياسة الأميركية خلافات استقطابية عنصرية بشأن الجريمة وبرامج الرعاية الاجتماعية وإصلاح المظالم التمييزية. لكن مع تخرجي من الجامعة، تقلصت هذه القضايا وتغير الجدل الثقافي الأساسي. وقائمة أولويات المحافظين في إدارة بوش الابن كانت تستهدف الفوز بتأييد بعض أصوات الأقليات على الأقل.
وهذا التغير لم يحدث لأن الحزب الجمهوري تم تحطيمه وأعيد تأسيسه عام 1999، بل لأن القضايا العنصرية التي كانت تقسم البلاد نحو عام 1992 تمت معالجتها بنجاح إلى حد ما على أيدي ساسة من كلا الحزبين وقد حسموها جزئياً. وقد توصلت سنوات بيل كلينتون إلى حلول وسط بشأن إصلاح برامج الرعاية الاجتماعية وإصلاح المظالم التمييزية. وساعدت استراتيجيات الأمن الناجحة في تقليص معدل الجريمة وحققت نمواً اقتصادياً، مما جعل كل جدل سياسي قابل للتفاوض.
وما نتعلمه من تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين هو أن العلاج يتطلب أكثر من مجرد الحجر على المؤمنين صراحة بالتفوق العرقي للبيض. فهو يتطلب تعافياً من نفوذ وطموح المحافظين المتدينين في الحزب الجمهوري، وهم جماعة شكلت صفوتهم جهود الاحتواء العرقية لرئاسة بوش، بينما قاعدتهم العريضة أقل ميلاً لسياسة هوية البيض عن الناخبين المحافظين الآخرين. والأمر قد يتطلب تحقيق «الديمقراطيين» بعض النجاح في ولايات مثل تكساس وجورجيا التي يتعلق فيها الحزب الجمهوري بالسلطة رغم تقلص أغلبيات البيض. وأخيراً قد يحتاج الأمر إلى أفكار إبداعية عن إدارة الدولة في الجيل التالي من الزعماء الجمهوريين الذين سيكون من الحكمة أن يعترفوا بأن تحول الحزب الديمقراطي إلى اليسار يمثل فرصة وليس تهديداً فحسب، لأن وجود اتجاه محافظ شعبوي أقل تعصباً قد يستطيع اجتذاب ناخبي الوسط من متعددي الأعراق.

التعليقات معطلة