عبد الجبار الحمدي
دفعت به النخوة لأن يكون اول الذين دخلوا ساحة التحرير بعد أن أنتفض الشباب تحت شعار أريد حقي. تجرع كغيره طفح الفساد الذي استشرى. شارك هو ومن معه الموت. سادت حياته السواد وضاقت به السبل بعد ان تخرج من معهد الفنون الجميلة، عشق فن الرسم كي يرسم عالمه الافتراضي بعيدا عن واقع الفساد، غير أن بوابة التعيين مغلقة. بصعوبة اشترى التكتك ليجني قوت يومه والعائلة التي تكفلها بعد ان راح والده أثر انفجار سيارة مفخخة.. أما أخاه فقد قتل في مجزرة سبايكر.
ثارت آلاف الشباب، وزحفت حيث ما يشعرها بالحري. ها هو حمزة يطير بطموحه حيث ساحة التحرير مع كل من رفع شعار أريد وطن… أريد حقي.. كان عرسا مهولا يزف ولأول مرة على أيدي شباب لبس السلمية حرية تعبير.. خرجوا جميعا دون فرقة أو طائفية. سارع حمزة ومن معه دون ان يكون هناك من يقودهم سوى مشاعرهم وهمومهم معاناتهم دموعهم آمالهم هي من ترسم لهم.
لم يعِ أنه معرض للموت في أي لحظة لكن صورة والده وأخيه يراها في كل لحظة وهم يتدافعون أمام ملك الموت ليدرءوا عنه يده. سارع الى حمل من امتدت يد الموت الى رأسه سقط الى جانب تكتكه… رفعه وبعض من الشباب منطلقا حيث الخيم الطبية التي تسابقوا إليه لإسعاف من جاء به.. دماء ثائر تلطخ وجهه وثيابه لم يدري كيف وجد نفسه بين يدي فتاة تمسح الدم عن وجهه وهي تقول له من خلف كمامة: أين أصبت هيا قل لي هل تسمعني؟ ما هو اسمك؟
بهت!! لكنه امسك بيدها وقد أصابتهما رعشة. لست أنا من اصبت إنه صديقي هناك. أنا حمزة، هذا هو اسمي. لا عليك إنه بأيدي أمينة.
انطلقت حيث مصاب آخر كانت يد الرحمة كالملاك، تحط دون كلل عند كل مصاب تفعل ما في وسعها لإنقاذه ميدانيا ثم نقله الى المستشفى او على الاقل تسعفهم من جراء غاز مسيل للدموع. خطفت قلبه دون أن يدري، غير أن من يسقط من الشهداء جعله يعود حيث حبه الاول العراق ذلك الذي تواكبت على شجره ونخله غربان سوداء تنعق ليل نهار همها ان تنال من كبرياءه… لكن شباب بعضهم لم يبلغ الحلم خرج يردد اريد وطن أرهبوا السلطة والموت… أسمعوا الاصم وجعلوا العالم الأعمى ينظر الى غيرتهم العراقية التي فاقت كل تصور. لا يهم، قال لها بعد ان سنحت الفرصة لأكثر من مرة لأن يتسامر بالحديث معها. إنها تشعر بالخوف أحيانا. ألسنا على الحق يا أمال؟ تلك هي عبارة سيدي على الاكبر لمولاي الحسين عليه السلام وهما يسيران الى واقعة كربلاء فأجابه نعم… إذا أقول لك كما قاله بإيمان.. لا تخافي لا يهم إن وقعنا على الموت او الموت وقع علينا… إننا نريد الحياة ومن يريد الحياة والحرية والخلود لابد له من ثمن… صدقيني لو كان الثمن حياتي الآن لوهبته على طبق من ذهب وأبعدت شبح الشياطين … إننا يا آمال نتطلع للعراق الجديد الذي لا يفصلنا عن الوصول سوى جسر وزمن… إننا نحب الحياة لذا ترين نفسك والكثير مثلنا بل الآلاف يطالبون بسلمية.

