ترجمة: كريم جيمس أبو زيد
كان العالم الذي فقدناه عضوياً. منذ الأصول الغامضة لجنسنا، عاش البشر في علاقة عضوية يومية وفورية مع النظام الطبيعي لقُوْتهم. في عام 1500، كان التفاعل اليومي مع الطبيعة لا يزال معمولاً به لمعظم الأوروبيين – كما كان الحال بالنسبة للشعوب الأخرى – من خلال المجتمعات العضوية المتعاونة المترابطة. وبالتالي، ليس من المستغرب أنه بالنسبة للأوروبيين في القرن السادس عشر، كانت الاستعارة الجذرية التي تجمع بين الذات والمجتمع والكون كائناً حيّاً. كإسقاط للطريقة التي عاش بها الناس الحياة اليومية، أكدت النظرية العضوية على الترابط بين أجزاء جسم الإنسان، وتبعية الفرد للأغراض المجتمعية في الأسرة والمجتمع والدولة، والحياة الحيوية التي تتخلل الكون وصولاً إلى أصغر حصاة.
كانت لفكرة الطبيعة ككائن حي سوابق فلسفية في أنظمة الفكر القديمة، والتي شكلت اختلافاتها الإطار الأيديولوجي الذي ساد في القرن السادس عشر. ومع ذلك كانت الاستعارة العضوية مرنة للغاية وقابلة للتكيف مع السياقات المختلفة، بناء على ما جرى تأكيده من بين الافتراضات السابقة.
كان ثمة مجموعة من الاحتمالات الفلسفية والسياسية، والتي يمكن تصنيفها جميعاً تحت العنوان العام: العضوية.
■ ■ ■
وفقاً للنظرية العضوية تتماهى الطبيعة، وخاصة الأرض، مع الأم الحاضنة أو الراعية: الأنثى الطيبة اللطيفة التي وفرت احتياجات البشرية في الكون المنظم والمخطط. ولكن هناك صورة أخرى ومعارضة للطبيعة كأنثى كانت سائدة أيضاً: الطبيعة البرية التي لا يمكن السيطرة عليها والتي يمكن أن تأتي بالعنف والعواصف والجفاف والفوضى العامة.
كلتا الصورتين جرت مماثلتها مع الجنس الأنثوي وشكلت إسقاطات لتصورات الإنسان على العالم الخارجي. كانت استعارة الأرض كأم حاضنة وراعية تختفي تدريجياً كصورة مهيمنة، بينما شرعت الثورة العلمية في مكننة وعقلنة الرؤية الكونية. الصورة الثانية، الطبيعة كاضطراب وفوضى، دعت إلى فكرة حديثة كان لها تأثير كبير، وهي السيطرة على الطبيعة. أصبحت الفكرتان الجديدتان، أي فكرة المكننة وفكرة السيطرة والهيمنة على الطبيعة، مفاهيم أساسية للعالم الحديث. وجرت عملية تقويض تدريجية للعقلية المُوجَّهة عضوياً والتي لعبت فيها المبادئُ الأنثويةُ دوراً مهماً، واستُبْدِلتْ بالعقلية الموجَّهة ميكانيكياً والتي قضت على المبادئ الأنثوية أو استخدمتها بطريقة استغلالية. وبينما أصبحت الثقافة الغربية ممكننة بشكل متزايد خلال القرن السابع عشر، فقد جرى إخضاع وقهر الأرض الأُنثوية وروح الأرض البِكْر بواسطة الآلة. كان التغيير في صور السيطرة مرتبطاً بشكل مباشر بالتغيّرات في المواقف والسلوك البشري نحو الأرض. وفي حين يمكن النظر إلى صورة الأرض الحاضنة والراعية على أنها قيد ثقافي يقيّد أنواع الأنشطة البشرية المسموح بها اجتماعياً ومعنوياً في ما يخص الأرض؛ فإن الصور الجديدة للسيطرة والهيمنة كانت تعمل بمثابة غطاء ثقافي لتعرية الطبيعة. احتاج المجتمع إلى هذه الصور الجديدة بينما هو يواصل عملياته الصناعية والتجارية، التي كانت تقوم على أنشطة تُغيّر الأرض بشكلٍ مباشر، مثل التعدين، وتصريف المياه، وإزالة الغابات، وإزالة الأحراج (نبش جذوع الشجر لتطهير الحقول لزراعة). استخدمت هذه الأنشطة الجديدة تقنيات جديدة كالمضخات، والرافعات، والمطاحن، والقائمة تطول.
■ ■ ■
لم تحدث هذه التغييرات التكنولوجية والتجارية بسرعة، وإنما تطوّرت تدريجياً خلال العصور القديمة والعصور الوسطى، كما حدث مع التدهور البيئي المصاحب.
قامت الحضارة المتوسطية واليونانية المبكرة باستخراج الحجارة والمعادن من الجبال ببطء على مدى قرون عديدة، وغيّرت المناظر الطبيعية والغابات، وقامت بالرعي الجائر في التلال. ومع ذلك كانت التقنيات بدائية إلى حد ما، واعتبر الناس أنفسهم أجزاء من كون متناهٍ، حيث سادت أشكال عديدة من روحانية الطبيعة والمخلوقات وعبادة الخصوبة التي تعتبر الطبيعة كياناً مقدّساً. كانت الحضارة الرومانية أكثر براغماتية وعلمانية وتجارية، وكان تأثيرها البيئي أشد. غير أن الكتّاب الرومان، مثل أوفيد، وسينيكا، وبليني، والفلاسفة الرواقيين استنكروا التعدين علناً واعتبروه إساءة إلى أُمهم الأرض. ولكن مع تفكّك الإقطاع وتوسُّع الأوروبيين إلى عوالم وأسواق جديدة، أخذ المجتمع التجاري يؤثر بشكل سريع ومتصاعد على البيئة الطبيعية.

