رائد العتابي
التقوى اجتناب المعاصي، حذرا من سخط الله والبعد عنه، ونظام ديني واخلاقي للحياة يؤمن غطاء الاستقرار والطمأنينة للمجتمع، وينظم حركته، ويقوّم سلوكه ويحسسه بالمراقبة الالهية باستمرار، ومنظومة تنظم اعمال الانسان في مجال السياسة، والاجتماع، والادارة وفي كل صغيرة من صغائر الحياة، وتمنعه من الخطأ لا خوفا من قانون متعسف ولا حرس غشوم، ولا حكومة ظالمة، ولكن بالضمير الذي يستمد وقوده من الله تعالى، فيلتزم كل فرد بحدوده ولا يتجاوزها فالحاكم يعرف واجبه والمحكوم، لتعيش الرعية في ظلها امنة مطمئنة.
والتقوى سنخ الايمان واصله، فمن لا تقوى له لا ايمان له، وحضور دائم فيما يحب الله تعالى وغياب دائم عما يكره، وسفينة امينة تعبر بك بحر الدنيا الخطير لترسوا على شاطئ الامان وكيف بك عندما ترى السفينة تسير وانت تغرق؟
ومن شرف التقوى ان الاعمال لا تقبل الا بها، لأنها تنتظم بها كما تنتظم حبات الدر في خيط العقد، فان انقطعت تبعثرت الاعمال ولا قبول. وهي سبب لمحبة الله، وبركات السماء، ومقياس المفاضلة بين العباد، واسم جامع لكل معاني الفضائل والمعالي، والمجتمع التقي هو مدينة الاسلام الفاضلة التي حلم بها العلماء، والفلاسفة والدول والقوانين الحاضرة. التقوى قيمة انسانية وحضارية عالية وراقية إن اتصف بها الناس والحكام بالخصوص ولدت مجتمعا متماسكا واعيا مثقفا مسؤولا حريصا على سلامة وطنه وناسه وممتلكاته وثرواته وتاريخه وبالتالي تحظى بمد الله وعونه ورعايته.
ومن قداستها وتأثيرها ان الله تعالى ليكرم بكرامة المتقي ولده وولد ولده وحتى جيرانه المحيطين ويحفظه في دويرته ودويرات اوسع. قال الامام الصادق عليه السلام :(ان الله ليفلح بفلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده ويحفظه في دويرته ودويرات حوله فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله).
ويكفي بالتقوى منجاة ان امير المؤمنين عليه السلام نقل رسالة الاموات الى الاحياء عندما اشرف على القبور بظهر الكوفة قائلا :(يأهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، والقبور المظلمة، يا اهل التربة، يا اهل الغربة، يا اهل الوحدة، يا اهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق ونحن لكم تبع لاحق. أما الدور فقد سكنت وأما الازواج فقد نكحت، واما الاموال فقد قسمت. هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت الى اصحابه فقال: اما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم ان خير الزاد التقوى). وما أجدر بالسياسي والحاكم وبقية الناس ان يتصوروا هذا الموقف الرهيب إذا ابقت لهم حلاوة الدنيا قدرة على التفكير والتصور والتمثل.

