Feature

جريد المستقبل العراقي / خالد النجار 
لاتزال الكاتبة والاديبة الاردنية د. سناء الشعلان تبحث عن المجهول في عالم الادب والثقافة وتقحمها في ترحالها الى بلاد الهملايا حيث اصدرت كتابها(الطّريق إلى كريشنا) والذي فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرّحلة ـ في دورته 21، فئة (الرّحلة المعاصرة: سندباد الجديد)، الجائزة الأولى، للعام 2022-2023..
الناقد العراقي المقيم عباس داخل في فنلندة حول كتاب الشعلان بقوله: «إنّ من يفتح قلبه للمحبّة يستطيع أنْ يسمع بقلبه، وأنْ يحفظ في ذاكرته»: القدّيس أوغسطين ، وفي البدء لا بدّ من الاعتراف بأنّني قد بلغتُ غاية مرادي من إلحاحي المستمرّ على د. سناء الشّعلان في مناسبات عديدة بأنْ تكتب عن رحلاتها المتعدّدة، وهي قد بلغت العشرات بوصفها أستاذ زائر وضيف شرف في الكثير من الجامعات العربيّة والعالميّة، والمؤتمرات العربيّة والدّوليّة والفعاليّات الثّقافيّة والفكريّة المتعدّدة، أو عبر أسفارها المتعدّدة الأغراض والمناسبات الثّقافية التي تُدعى إليها، مثل إشهار أعمالها الأدبيّة، أو فوزها بجوائز إبداعيّة ونقديّة وبحثيّة، أو ترجمة بعض أعمالها الأدبيّة، أو حضور مناقشة رسائل جامعيّة عن إعمالها؛ إذ لم تحظ أديبة عربيّة معاصرة بما حظيتْ به الدّكتورة سناء الشّعلان من اهتمام بحثيّ ونقديّ بأعمالها الإبداعيّة التي كانتْ موضوعاً لدراسة عدد من الرّسائل الجامعية «الماستر/ والدكتوراة»؛ إذ أجزم أنّ لها حصة الأسد بين الكتّاب العرب المعاصرين في هذا الشّأن، وما زال هناك الكثير من الدّراسات قيد الإنجاز في حوزة طلبة الدّراسات العليا عن أعمالها في ماليزيا والهند وباكستان وأوروبا وأمريكا والجامعات العربيّة.
إنّ أوّل رحلة مدوّنة في التّاريخ هي رحلة كلكامش التي تُعدّ حجر الأساس العظيم للملحمة الإنسانيّة الأولى؛ فهي رحلة البحث عن عشبة الخلود ومعنى الإنسان والموت، ومن بعد توالت رحلات الأنبياء، كما تروي قصص الأنبياء والكتب السّماويّة.
لقد آمنتُ بأنّ ما تنشره الرّحالة سناء الشّعلان من إضاءات  ومقتطفات مقتضبة عبر الوسائل التّواصليّة المتاحة لنا ينطوي على الكثير من الاكتشافات والمشاهدات القيمة ثقافيّاً ومعرفيّاً، لكنّها مبتورة، وأنّ ما وراء الأكمة ما ورائها من سيل جارف من المغامرات والمواقف والمرئيّات التي تكتنزتها الشّعلان في ذاكرتها وإرشيفها من خلال لقاءاتها ومشاهدتها الحيّة لأماكن لطالما شغلتْ خيالنا، وقرأنا عنها، وشدّ الرّحالة أمتعتهم إليها قديماً وحديثاً.
وفي كلّ مرّة ألحّ عليها للكتابة عن رحلاتها، يأتي جوابها المحبط لي: «لا أحبّ أدب الرّحلات؛ إذ لم يأتِ بجديد، كما أنّني لا أحبّ كتابة المذكّرات أو السّير الذّاتيّة».
وأخيراً ذات مساء مفاجئ لي وجدتُ على بريدي الالكترونيّ رسالة من سناء الشّعلان ودعوة منها لي لقراءة فصل من «رحلة أمّ بطبوطة تُصلّي في جبال الهيمالايا»، ثم توالت النّصوص، وكلّ فصل يحمل غواياته الإبداعيّة والفنّيّة والجماليّة بأسلوب متأنّق في غاية التّرف، وفيه من الإمتاع ما فيه ممّا يستحقّ التّقريظ دون أدنى شكّ، ويجبرني على إعادة قراءته مرّات عديدة، وبقيتُ قابضاً على جمرة إلحاحي المستميت عليها بتزويدي بفصول أخرى من شدّة إعجابي بها، وشعرتُ بصرخة بداخلي تقول للشّعلان «ابقي على كرهكِ لأدب الرّحلات، واكملي كتابة الرّحلة»، وكتبتُ لها نصّ هذه الصّرخة، وأرسلتها لها على البريد الالكترونيّ، واستمر صيب الفصول يتوالى على بريدي الالكترونيّ من طرف الشّعلان.
بوصفي قارئاً وناقداً متابعاً للأديبة الدكتورة الشّعلان، وصديقاً لها يقاسمها الكثير من الأفكار والآراء المشتركة، فلا يسعني إلاّ أنّ أهتبل هذه المناسبة لتقديم الشّكر والعرفان لها؛ لأنّها منحتني فرصة قراءة باكورة رحلاتها المدوّنة «أمّ بطبوطة تصلّي في جبال الهيمالايا» ولاستجابتها للكتابة عن رحلاتها؛ ليجد فيها القارئ متعة القراءة ولذّة موصولة؛ لما فيها من تنوّع واختلاف ومرآة صادقة في النّقل وتخطّي للكثير مما هو سائد ومألوف في أدب الرّحلات الذي خصّ الرّجال دون النّساء في عالمنا العربيّ إلاّ من استثناءات بعدد أصابع اليد الواحدة جاءت أغلبها على شكل مذكّرات أو سيرذاتيّة خالية من روح المغامرة للرّحالة بوصفهم مستكشفين.
وإنّ الرّحالة بوصفهم اثنوجرافيين والاثنوجرافيين غدوا مثل رحالّة، ليصبح الطّرفان متجاورين في تقاسم أساسيّات المنظومة المعرفيّة للثّقافة الإنسانيّة أو المجتمعات المختلفة «إنّ الاثنوبولوجيا كلمة معرّبة تعني الدّراسة الوصفيّة لأسلوب الحياة ومجموعة التّقاليد والعادات والقيم، والأدوات والفنون، والمأثورات الشّعبيّة لدى جماعة معينة أو مجتمع معيّن، من خلال فترة زمنيّة محدّدة، وفي مقابل هذا المصطلح نجد مصطلحاً آخر هو الاثنولوجيا الذي يهتم بالدّراسة التّحليليّة والمقارنة للمادّة الاثنوجرافيّة بهدف الوصول إلى تصوّرات نظريّة أو تعميمات بصدد مختلف النّظم الاجتماعيّة والإنسانيّة من ناحية أصولها وتنوّعها، وبهذا تشكّل المادّة الاثنوجرافيّة قاعدة أساسيّة للبحث الأثنولوجيّ؛ فالأثنوجرافيا والأثنولوجيا مرتبطان؛ إذ تكمّل الواحدة الأخرى، وهما تشكّلان مجالين دراسيين مهمّين في إطار مجالات الدّراسات العامّة للأثنبولوجيا» (2)  
من الالتفاتات التي تُحسب للرّحالة سناء الشّعلان أنّها لم تقرأ المتاحف والآثار قراءة تاريخيّة مجرّدة، بل غاصتْ فيها لتكتب عن تفاصيل التّفاصيل كما هو وقوفها عند « تاج محلّ»  ذي قصّة الحبّ الشّهيرة، ونقلت القصص بوجدانيّة وشغف؛ لأنّ القارئ بات يعرفها بوصفها أثراً ووجوداً مكانيّاً قائماً وموجوداً ومعروفاً في مشارق الأرض ومغاربها، وفي زمن أصبحت الصّورة بأشكالها جميعاً متاحة، ويمكن الحصول عليها ونحن في السّرير بسرعة فائقة وغير متخيّلة، وصولاً إلى تقنيّة «google earth» وقنوات الفضاء المفتوح.
من هنا تحتاج كتابة الرّحلة التي استفادتْ من التّقنيات الرقمية إلى سرديّة مختلفة «المغامرة السّرديّة» في ميكازينماتها وتقنيّاتها في سرد مراحل رحلتها ومغامراتها مرحلة مرحلة، بأسلوب محكم ورصين ومشوّق؛ لإغراء القارئ  واستمالته، وهو من تشغله الصّورة، وتجذبه بقوّة إلى حدّ العزوف عن القراءة؛ فمشاهدة فيلم أو وثائقيّات فلميّة على أقراص مدمجة، أو في الحاسوب، أقلّ تكلفة، وأشدّ توفيراً للوقت من قراءة سرديّة رحليّة، لكن تبقى النّصوص أكثر مؤانسة ومتعة في إعادة التّخييل وصولاً إلى اللّذة المفارقة إلى حدّ الإدهاش  .
إنّ مقولة الهند متحف للزّمان والمكان حقيقة لا جدال فيها حتى للمتلقي أو السّامع الذي لم يزر الهند، وقد حاولت الشّعلان تحقيق ذلك من خلال كتابتها السّرديّة في فصول غاية الرّوعة في التّصوير «الهند متحف البشر والمعمار» و»ألف طبق وطبق»، وعيد بعد عيد»، و» الأحمر بالأحمر والبادئ أجمل»، ونقلتْ مشاهداتها المبهرة بدقة وبحذاقة.
  يبدو أنّ الهند تبهر كلّ زائر ورحّالة، حتى أنّها تبهر من يعيش في أكنافها ردحاً من عمره، وفي ذلك يقول الدّبلوماسيّ المصريّ المعروف «مصطفى الفقي»  الذي أصاب كبد الحقيقة، وهو من قضى فيها جزءاً من حياته دبلوماسيّاً «إنّ الهند أمّة عظيمة لا تُؤخذ ببساطة؛ إذ في أعماقها تراكماً ثريّاً، وفي أحشائها الدّر المكنون».
استطاعت الشّعلان أنْ تغوص عميقاً في المجتمع الهنديّ من أجل التقاط بعض درر تفرده، وما يحيط به من غرائبيّة وحكايات عجيبة إلى حدّ الخرافة والفنتازيا، وقد زارت الهند مرّات عديدة ولأغراض متعدّدة، وعلى الرّغم من ذلك كانت ضنينة على القرّاء بتدوين رحلاتها بقدراتها اللّغويّة المعروفة بتفرّد صورتها بإحساس ومشاعر غاية الرّوعة والصّنعة بروح محلّقة بثقة العارف لوجهته وغاياته المعرفيّة والإنسانيّة.
غنّت الرّحالة سناء الشّعلان  مثل «غناء القوالي الموسيقى الكلاسيكيّة الصّوفيّة الهندوستانيّة في بناء ألحانها، وارتجالاتها الصّوتيّة المرنة والمتفرّدة التي يصدح المغنّون بها، القوالي له بصمته الخاصّة في تعدّد الإيقاعات، ويتجاوز الكثيرون من روّاد هذا الفنّ قوانينه وأنغامه وأدواته التّقليديّة، ويصبغوه ببصماتهم الشّخصيّة» (3)   
وكتبت الشّعلان مدونة رحليّة بصبغة مختلفة عمّن سبقها إلى زيارة الهند والكتابة عن عوالمها وفتنتها التي لا يمكن سبر أغوارها بيسر، وليس بسهولة بمكان أنْ نفهم التّعارضات النّاتجة في الحياة الإنسانيّة للهنود المترعة بالعجائب والغرائب المرتبطة بالثّقافات والعادات المتوارثة عبر أجيال وأجيال منذ زمن سحيق.
لقد رمتنا الرّحالة د. سناء الشّعلان في «الأشيرون: وهو نهر في جهنّم» بتسليطها الضّوء على قاع المجتمع إلى أعلى هرمه وعاداته وأعرافه التي لا زالت مستحكمة وقائمة على الرّغم من بشاعتها، لاسيما ضدّ الشّرائح المهمّشة والنّساء على وجه الخصوص، وهي عادات بالية ومهترئة لا تؤدّي وظيفة اجتماعيّة، أو وظيفة ثقافيّة، لكنّها تُمارس بحكم العادة المستبدّة والجندرة المفرطة والطّبقيّة، إلى حدّ تجاوز الحدود كلّها التي لا يتخيّلها أيُّ إنسان معاصر.

التعليقات معطلة