Pdf copy 1

ا.د. حمزة محمود شمخي
الموازنة وثيقة مالية اقتصادية واجتماعية وسياسية، تضمن البعد القيمي للمجتمع وفق منظور الدولة الحضارية المعاصرة،ومن خلالها تسعى الدولة الى تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الظلم الاجتماعي المتمثل بالفقر والجوع وسوء الصحة العامة،وتدهور منظومة التربية والتعليم وانكسار سلوكية المجتمع .كما وتسعى الدولة من خلال الموازنة الى ضمان التنمية المستدامة وفق الاهداف الاممية المعلن عنها من خلال إستيعابها للاوجه الثلاثة للتنمية المستدامة وهي:
الرفاهية الاقتصادية.
التنمية الاجتماعية.
والحماية البيئية. 
ان هذا البعد القيمي للموازنة يجب ان يكون هدف حكومة الخدمة في موازنتها، فهي المسؤولة عن اعداد موازنة 2023 دون غيرها،بعد حصولها على الثقة في (قاعة ذات حرمة عالية المستوى) وتقديمها للتشريع.
تجربتنا في العراق تشير ان الموازنة العامة التي تعدها الادارة المالية للدولة لازالت ريعية تعتمد في جزئها الاعم على ايرادات النفط مع محدودية تنويع تمويلها بالايرادت الهائلة الاخرى التي ينعم بها العراق مثل ايرادات المنافذ الحدودية والكمارك والضريبة وغيرها والتي لا يستطيع احد ان يعرف مقدارها ومصادرها وطريقة جبايتها.
وتجربتنا في العراق ايضا ان الجزء الاكبر من تخصصيات الموازنة هي تشغيلية تغطي الرواتب والاجور اذ تقدر الحصة التشغيلية بحدود 85%،مما افقدها اي دور تنموي او تحقيق للعدالة الاجتماعية او ضمان التنمية المستدامة مما زاد في الظلم الاجتماعي على بعض فئات المجتمع.
وتجربتنا في الموازنات العامة انها تجاهلت ما يفكر به الشعب وما يحتاجه،فظلت الامور فوضى في التخطيط المالي والاقتصادي مما أفقد العراق أية فرصة للتباهي برقي اقتصاده واحتضان قوة عمله الهائلة،رغم المطالبات المستمرة بتوفير فرص العمل.
وتجربتنا في العراق ان الرئاسات الثلاث تستحوث جزءا كبيرا من تخصيصات الموازنة دون وجه حق.
وتجربتنا ايضا ان الموازنة قبل تشريعها تدخل في مناكفات سياسية واعلامية تغطي الجزء الاكبر من المحطات الفضائية،كل يدلو بدلوه بين مؤيد لها ومعارض،سواء في تحديد ايرادات الدولة او تحديد سعر برميل النفط الافتراضي الذي تقدر بموجبه ايرادات النفط او سعر صرف الدينار المعتمد .
وتجربتنا في العراق ان المنهج السياسي للموازنة مرتبك بين ضمان حق الاقليم او تجاوز الاقليم على حقه وبين سلب حقوق المحافظات الاخرى المنتجة للنفط والممولة للموازنة وضمان حصة المحافظات في البترودولار.
وتجربتنا في العراق ومنذ عام التغيير 2003 حتى موازنة2021 ان الادارة المالية للدولة تعتمد على موازنة (البنود)في اعدادها لانها الاسهل والاقرب الى فهم من يعدها وفهم من ينفذها،بل الاقرب الى استغلال المال العام لمن سعى الى ذلك فهي تخصيصات عشوائية لانفاق وحدات قطاع الدولة والادارة التنفيذية مما يجعل جهد الحكومة في تنفيذ الموازنة رقابي على الصرف دون الاهتمام بالخدمات والاهداف التي حدد الصرف لها.ويقال عن هذه الموازنة بانها موازنة جامدة، وبطبيعتها فهي وسيلة لاهدار المال العام.
وتجربتنا اننا لم نلمس من موزانات السنوات السابقة اي تقدم تنموي فالاقتصاد متعب وراكد واهم قطاعين فيه الزراعة والصناعة من ضمنها صناعة الكهرباء يسيران بهامشية  ،اضافة الى اتساع هوة الفقر والجوع وضعف الصحة وتدهور منظومة التربية والتعليم.
والمعروف ان اعداد الموازنة يعتمد على عدد من النماذج هي :الموازنة التقليدية المعروفة بموازنةالبنود،وموازنة البرامج والاداء والموازنة الصفرية. 
نامل من الحكومة الجديدة ان تبتعد عن موازنه (البنود)والاتجاه نحو موازنة (البرامج والاداء)،التي يضمن اعتمادها تحقيق جوانب العدالة الاجتماعية.
فموازنة البرامج والاداء تعتمد على ثلاث عناصر هي(تصنيف العمليات الحكوميةحسب البرامج والانشطة، ووضع مقاييس للاداء، والتقرير عن الاداء)وحسب ما نعتقد ان اعتماد هذا النموذج في اعداد الموازنة سوف يضمن تحقيق بعض برامج التنمية التي تلتزم بها الحكومة .
ان موازنة2023 اذا ما اقرت ، لاقيمة لها اذا لم تضع في اولوياتها الابتعاد عن الاقتصاد الريعي وتنويع مصادر دخل الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية وانهاء الظلم الاجتماعي وذلك بالقضاء على الفقر والجوع التي ابتلى بها المجتمع ليشكلان متلازمة اجتماعية شديدة الخطورة والالم، فاثارهما أكثر ألما (للعقل والضمير، وأخطر تأثيرا على الأخلاق والسلوك، وأشد تحطيما للكرامات والنفوس).
ومن اولوياتها ايضا فض الجدل الشعبي باعادة الهيبة للدينار باقرار سعر صرفه بما يتناسب وحجم الاحتياطي الذي يحتفظ به البنك المركزي والذي تجاوز 115 مليار دولار وهو مبلغ ضخم يضمن قوة الدينار امام العملات والدولار بالذات،وضمان صحة المجتمع وتحسين منظومة التربية والتعليم وضمان حقوق الاجيال القادمة في ثروة بلادهم بانشاء صندوق الثروة السيادية باستقطاع نسبة من ايرادات النفط لتمويل الصندوق.
ومن اولويات الموازنة المتوقعة الحد من الاسراف والهدر ومعالجة الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة بشكل مخجل.
وان تحقق ذلك فهو تمهيد لبناء الدولة الحضارية المنشودة.

التعليقات معطلة