Pdf copy 1

إيمان كاظم خلف
يا حسين، يا نهراً يجري في دماء الأحرار.
ها هي أيام الأربعين قد أتت، تزحف نحونا كحرب أزلية تتجدد كل عام، لا تنتهي! تغزو نفوسنا بلا هوادة، تصرفنا عن كل شيء، وتسافر بأرواحنا إلى وجهة وحيدة، وأرض غريبة. نعم، إنها تلك البقعة التي احتضنت جسدك الطاهر.
في كل مرة أزور كربلاء، تعصف بي الخيالات:
هل حقاً مات الحسين؟ وماتت أطفاله؟ هل ارتوت الأرض من دمائهم؟ هل اكتفى الطاغوت بذبحه على الرمضاء؟
هل حقاً سُلب رداء النبي في ذلك اليوم وضجت أملاك السماوات؟
هل كانوا يسمعونه حين كان يعظهم ويحذرهم، باكياً عليهم عاقبة الجحيم الأبدي؟
هل كان يملك قدرة التفكير بأعدائه للحظات، وهو في حال كرب شديد، وحيداً بين أعداء كثيرين تكالبوا على قتله وأهل بيته وأصحابه أمام ناظريه في برهة من الزمن؟
أي روح تحمل، سيدي؟ يا ابن النبيين!
ترى، ماذا كنت تسمع أو ترى حين ألقيت كف الدماء إلى السماء فلم تعُد دماء الرضيع إلى الأرض؟ أرض ملعونة تلك التي لم ترث لحالك.
هل شكوت إلى الله؟ هل شكيت إلى جدك ما حل بك؟
ترى، هل ستظل تراقب من عليائك ذلك المكان الذي سقطت فيه؟ أم أن مشهد أطفالك لم يزل شاخصاً أمام عينيك؟
هل ستكون الملائكة شهودك على من ظلمك حقك واستباح حرمتك؟ أم ترى ستعفو أمك البتول عن أمة قتلت ابن بنت نبيها؟
ما عذر الفرات حين امتنع عنك؟ كيف ستبرر الخيول فعلتها بك؟
أيها الشهيد، ستبقى نجمة خالدة في سماء الحرية، تركت لنا نوراً ودرباً منيراً بحب العز والكرامة.
منذ قرون ونحن نحاول فهم دربك الذي خطوته، ولم تهن عزيمتك أو تضعف. صمتك المدوي أصبح يهتز في أرجاء هذه الدنيا منذ ذلك اليوم!
أخبرني، يا ابن الزهراء:
كيف نمحو حادثة القتل تلك من تاريخنا كمسلمين؟ ونعود لمحراب الصلاة نشهد بأن لا إله إلا الله وأن جدك محمد رسول الله؟
كيف نفعل ذلك، سيدي؟
أنا لم أكن أفهم مشاعري حين أزور قبرك؛ دائماً شعرت أنك تحوم حول المكان، تشاهد زائريك، تتفقد أطفالك، تواسي إخوتك وأصحابك، تزورهم بين الحين والآخر. لكنك تعلم جيداً أنهم ماتوا منذ زمن بعيد، وأنت ما زلت تبكيهم بحرقة.
لكنك حيّ وما زلت تنتظر.

التعليقات معطلة