د.نعمه العبادي
تتصل ذكرى شهادة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم بمراسيم الحزن على اربعينية الامام الحسين ع، ومع ان المناسبة توسع مداها الطقسي تدريجياً في وسط وجنوب العراق، حيث يزار مرقد امير المؤمنين عليه السلام في النجف الاشرف لاحياء الذكرى إلا ان الجوانب الرمزية والشعائرية الممارسة الطاغية على المشهد (وهي عمل مهم وله معطياته المباركة)، كما ان النشاط في الفضاء الالكتروني ينشغل بذات الجوانب، واستثماراً لهذه المناسبة العظيمة.. اذكر مجموعة أمور، أرى من الضروري جداً مراجعتها من كافة المستويات وعلى المستويين النخبوي والشعبي، وتتمثل في الآتي:
1/ إن هذا التباني مجهول المصدر على الصمت والتدليس حول ذكرى وفاة اعظم واكرم المخلوقات، والذي نرتبط بشخصه بألف وشيجة ووشيجة، لا يمكن له أن يستمر، فمن غير المعقول ألا يوجه ملياري مسلم لأنفسهم سؤالاً شجاعاً عن موقفهم من وفاة النبي (ص) واهمالهم لها مع اهتمامهم بمناسبات تافهة لا قيمة لها، ومع الاحتجاج بأن هناك رؤية فقهية تتقاطع مع الصور الطقسية التي يتم بها الأحياء حالياً، فالامر يسير، إذ توجد ألف فعالية وفعالية للأحياء، مثل المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش واعمال البر والاحسان وبذل الطعام والمهرجانات الشعرية ومعارض الرسم والخط ومعارض الكتب ومسابقات التأليف وغيرها من اشكال التعبير المختلفة، والتي تناسب كل المشارب الفقهية.
2/ ان هذه القطيعة النفسية والمشاعرية تجاه النبي (ص)، والتعامل بانتقائية فيما يتصل به وبحياته، وبكل ما اكد عليه واشار له في حياته عبر سنته الشريفة، هي الاخرى تحتاج الى تساؤلات شجاعة وصريحة، ويتبع ذلك خطوات جادة على مستوى الفعل.
3/ لقد اوصل مسار التطرف والتكفير والتعصب في كل الاتجاهات المذهبية الرسم البياني الملخص لطبيعة العلاقة بين المذاهب الى شكل شعاعين متوازيين ومتخالفين في المسار، واصبحت زاوية الافتراق في ظل ذلك تساوي (180) درجة، وهو امر اسكت اصوات الاعتدال والعقلانية والرؤى الموضوعية، وبلور العلاقة بين المذاهب، بوصفها عداءً أيدلوجياً يتبعه موقفا عمليا متشددا، وهي حالة يخسر في ظلها الوجود الاسلامي خسائر فادحة سواء على مستوى الموقف العقائدي او الاخلاقي او التنظيمي؛ بل وحتى الصحي والنفسي، ولهذا من الضروري ان تكون هناك وقفة جادة لاعادة النظر في هذا الاذعان الاستسلام لمنهج التطرف والتكفير والتماهي معه.
4/ منذ قرون ومشروعي التقارب والوحدة يراوحان محلهما دون ان تتقدم الى الامام بخطوات عملية جادة، ومع ذلك يصر بعض القائمين على هذه الاعمال الالتزام بنفس المقاربات المقدمة كأطار نظري وخريطة عملية للانجاز، وهو امر لا ينبغي ان يستمر على هذا الوضع، إذ لا بد من تقديم مقاربة مختلفة تمازج بين فهم سيسولوجي ونفسي لحقيقة ما ورائيات التباعد، وتدخل ضمن مدخلات العمل المردودات السياسية والاقتصادية والكلف والمخاطر، وهو مشروع يحتاج الى غطاء نظري عميق.. وتفكير خارج الصندوق القديم المعهود.
5/ على الرغم من الضجيج العالي، والمشهد الدعائي الذي احاط ما يسمى بمحاولات التجديد ومنها، التجديد عبر المنهج المقاصدي إلا ان الحقيقة تثبت، ان كل هذا النتاج لم يعد صياغة ميكانزم التفكير، ولم ينتج صورة اجتماعية جديدة، ولم يشكل اطاراً عقائدياً مختلفاً، وقد تدرع كل ما هو نمطي وتراثي ومعهود في اسواره المحصنة دون أن يلمسه التغيير المنشود، لذا فان هذا الخط من المحاولات تأكد فشله بوضوح، ويعود السبب في فشل الكثير منه إلى الاستناد على ارضية هشة من المعرفة، او رفع سقوف التغيير بطريقة تكاد تساوي النسخ والاستحداث التام، او الانطلاق من موقف استعلائي او اشكالية نفسية، او اسقاط منهج مستعمل في رؤى عقائدية مختلفة في الظروف والزمان والمكان، لذلك لا يمكن التعويل على هذا المسار في انجاز نتائج واقعية تنتج تغييراً حقيقياً في الاعماق، فالامر يحتاج الى مغادرة لكل تلك المحاولات، والاشتغال على محاولة البحث عن الحقيقي والاصيل من المنظور الديني، فالمهمة ليست ابتداع جديد؛ بل الكشف عن وجه الحق المغيب والصدق المختطف والعدل المدلس عليه، ورسم الحدود الواضحة بين التنزيل والتأويل والفهم والنص والمعصوم حقاً والمعصوم وهماً، وهي مهمة لا تشبه ما يسمى بالسلفية، فهذه صورة مختلفة لنسخة مبتدعة تقدم على انها الاصل.
6/ يعيش العالم ازمة اشكالية التضاد بين المصالح والاخلاق، وهي ازمة تنزلق فيها المؤشرات تجاه المصالح بشكل كبير بغض النظر عن ادوات تحقيقها والاثر الاخلاقي الذي يترتب عليها، ولا تزال محاولات التصحيح في هذا الاطار تراوح في فضاء الخطاب الوعظي الذي يعتمد على الحشد اللفظي، وهو منهج لم ولن يستطيع الوقوف امام منحدر الانزلاق، لذلك لا بد من الكشف عن المحتوى الاخلاقي المرتبط بالمصالح ومن زاوية معرفية مختلفة، فهو موقف ايجابي من المصالح، لكن من زاوية دعم المفيد حقاً، وان ظاهره خلاف ذلك، والعكس صحيح، وبهذا يظهر المحتوى الاخلاقي بوصفه داعماً ومسانداً للمصالح، شريطة ان تكون تلك المصالح ذات فائدة حقيقية وليست لذات عاجلة تتبعها منغصات آجلة، وهذا الكشف استحقاق مهم لا بد من الانطلاق فيه من نقطة مراجعة جادة باتجاهه..اتمنى ان تكون هذه الاشارات مفاتيح لحوار جاد ومنتج، وان تنال ما يليق بها من الاهتمام والتداول خصوصاً من اهل الوعي والمعرفة واصحاب الضمير الحي، وان لا يكون منطلق التعاطي معها على قواعد التفاعل مع منشورات الفضاء الازرق…
اللهم عرفني نفسك.. فأنك إن لم تعرفني نفسك.. لم أعرف رسولك.. اللهم عرفني رسولك.. فإنك إن لم تعرفني رسولك.. لم أعرف حجتك.. اللهم عرفني حجتك.. فإنك إن لم تعرفني حجتك.. ضللت عن ديني…

