إيليا إمامي
الليلة الماضية كانت المرة الأولى التي تقوم فيها السعودية بقصف أهداف داخل الأراضي العراقية منذ حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء) عام 1991. وحصل ذلك بالتنسيق مع القوات الأمريكية.. فكيف، ولماذا جرى هذا؟ دعونا نقسم هذا المقال إلى ثلاثة محاور لتتضح الفكرة.. لكن قبل ذلك .. أريدك أن لا تبني تقييمك على قراءة حدث الليلة الماضية فقط، بل هو مسار ممتد إلى سنة قادمة ستستمر فيها الحرب، لا محالة. بمعنى أن الملحوظ في هذا المقال هو نسق التطورات المستقبلية، وليس الحكم على الوضع الحالي.
إذا عرفت هذا، فدعنا نبدأ.
المحور الأول: الحسابات الأمريكية – السعودية
منذ سنة تقريباً نشرت مجموعة دراسات غربية تفيد أن الهدف الأمريكي كان منذ البداية هو توريط دول الخليج مع إيران، وتحييد نفسها وإسرائيل عن هذه المواجهة.. لكن دول الخليج رفضت ذلك، واضطرت أمريكا للدخول مع الكيان في حرب مشتركة ضد إيران، مما سبب تعاطفاً عربياً مع إيران.
وكانت إيران قد رسمت بنك أهدافها استعداداً لهذه المواجهة على مبدأ أن المنشآت الخليجية داخل قلب الصراع، حتى لو لم تعلن دول الخليج دخول الحرب.. واعتبرت إيران جميع حقول الطاقة خاصرة رخوة لأمريكا ومشروعها في المنطقة، وعلى هذا الأساس استهدفتها وما زالت.
وخلال الأشهر الستة الماضية من اندلاع الحرب، امتنعت دول الخليج عن الرد على إيران لثلاثة عوامل:
1. معرفتها بفارق القوة والانكشاف التكتيكي بينها وبين إيران.
2. عدم ثقتها بالحماية الأمريكية.
3. حفاظاً على سمعتها من الدخول في تحالف مشترك مع الكيان.
بعد حرب الأربعين يوماً أعادت أمريكا حساباتها، وخرجت بضرورة أن تدخل دول الخليج إلى الحرب، وستضغط عليها للدخول مهما كلف الأمر، وذلك بالمقاربة التالية:
1. إخراج الكيان من المعركة، ولو مؤقتاً، حتى يتقبل الشارع العربي والإسلامي دخول السعودية والخليج.
2. تطمين السعودية بمظلة الحماية الباكستانية التي ستقيد يد إيران وتضع إسلام آباد في حساباتها قبل ضرب السعودية.
3. عدم وجود جدوى من الحياد؛ لأن إيران تقصف بالفعل، وغير ملتزمة بالحياد في المقابل.
4. عدم البدء بإيران مباشرة، بل استهداف أعوانها كالحوثيين في اليمن، والفصائل في العراق، وتشجيع الجولاني على دخول لبنان.
5. ربما تم الاتفاق مع الأمريكيين على أن يكون دخول الحرب (وليس التطبيع) مقابل المفاعلات النووية السعودية.
6. من المعقول جداً صدور تهديد أمريكي مباشر أو غير مباشر إلى الأمير محمد بن سلمان بأنه إذا لم يقم بالمهمة، فقد ترتب الاستخبارات الأمريكية انقلاباً داخلياً يأتي بأخيه أو بأحد أولاد عمه إلى السلطة، أو يجري تحجيم الدور السعودي في قيادة الخليج على حساب الإمارات المتعاونة.
هذه أسباب أراها (كلها أو بعضها) كانت وراء قرار السعودية دخول هذه المواجهة، والتي هي مقدمة لمواجهة إيران.. وهذا ينقلنا إلى المحور الثاني.
المحور الثاني: هل سنشهد حرباً إقليمية؟
والجواب على هذا سهل.. فإذا جرت الحسابات السعودية كما تريد، وكما تريد أمريكا، فقد تدخل الحرب، ومن بعدها كل دول الخليج (ربما باستثناء عُمان)، والكويت إن بقي لها عقل.
ودخول السعودية لا يعني مجرد دخولها، بل يعني – كما أشرت في مداخلة سابقة – مواجهة برية شرسة بين الجولاني وحزب الله في لبنان، والحوثيين وخصومهم في اليمن.
كما أنه سيضع باكستان في موقف صعب، فتكون مخيرة بين حماية السعودية كحليف مهم، والتخلي عن دور الوساطة الحالي، وبين الامتناع ورفض الانخراط في حرب ضد إيران، ستصب في مصلحة تحالف آخر بين أمريكا والكيان والهند والإمارات، يبدأ بتدمير إيران، ثم تركيا، ثم باكستان نفسها.
وإذا حصل ما يمنع من دخول السعودية إلى الحرب (وهو الأرجح)، فستصبح هذه الخطوة، المتمثلة بقصف العراق، مجرد خطأ في الحسابات (حماقة)، يشبه الدخول في حرب اليمن، أو مشروع نيوم الذي لن يرى النور.
باختصار.. راجع الأسباب أعلاه، والتي أقنعت السعودية بدخول الحرب.. فإذا استطاعت إيران أن تقلبها، فستمنع تشكل هذه الجبهة.. وأول خطوة إيرانية لفعل ذلك هي بإرجاع الكيان إلى المعركة (رغم تكلفته)، لأن السعودية لا تتحمل الآن الوقوف مع الصهاينة في الجبهة نفسها.
المحور الثالث: الداخل العراقي.
هذه الضربة كانت، وبكل صراحة، مساعدة للحكومة لتنفيذ خططها في بسط سيطرة الدولة.. وفي الوقت نفسه مساعدة للفصائل التي تم الاعتداء عليها.
بمعنى إنها من نوع الأحداث القابلة للاستثمار في اتجاهين متعاكسين.. فمن جهة ستعطي زخماً للحكومة بذريعة أن الفصائل تورط الدولة، ومن جهة أخرى ستجعل الفصائل أمام خطر وجودي لا يسمح لها بالتراجع، وإلا تم افتراسها.
ثنائيات كثيرة أصبحت على المحك، والأحداث فيها تمر بمخاض وقابلة للتطور في الاتجاهين المتضادين.. فلا يعلم أحد في أي اتجاه ستسير:
ثنائية الحشد والفصائل.
ثنائية الدولة والفصائل.
ثنائية الإطار والحشد.
ثنائية الدولة والمقاومة بالنسبة للجهات المنخرطة في الحكم.
هذه كلها أمور يجب أن نراقب تطوراتها خلال السنة القادمة .. سواء بقي ترامب أم غادر .. لأن الصبيانية السياسية في العراق هي من أوصلتنا إلى هذا الوضع المعقد.. مهما كان الظالم القابع في البيت الأسود.
* على كل حال ندعو بالرحمة والسعادة لإخوتنا وأولادنا الذين استشهدوا في هذا الاعتداء الغادر.


لا يوجد تعليق