Feature

  التحليل السياسي /غانم عريبي
ليس هناك عاقل في الدنيا يفرط بوطنه تفريط القوة العسكرية التي كانت مكلفة قبل سقوط الموصل بادارة عمليات نينوى .الغراوي قدم شرحاً مفصلاً لطبيعة العمليات العسكرية التي كانت تجري سجالاً بين داعش والشرطة الاتحادية لكن قطاعاً كبيراً من الناس لم يصدق الرواية الغراوية- وشخصياً اعتقد ان الفريق الغراوي فيما قدم من شرح وفيما افاض من تحليل ومعلومات يتحمل جزء من المسؤولية ولا يتحمل المسؤولية كلها.
التفريط واضح والانسحاب من المسؤولية حقيقة والاعتذار عنها دون تقديم اعتذار بات من الواضحات والاعلام العراقي (المنفتح على الديمقراطية جدا) ساهم بشكل كبير ومارس دوراً اكبر في توسيع رقعة الشقة والثرثرة ولا من راتق يخيط من فتق او من يتحدث بشجاعة عن تحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية عن سقوط الموصل وتكريت وثلاثة ارباع الانبار في الليلة السوداء التي ترك الرجال رتبهم العسكرية على التراب ولم يبق الا تراب السواتر يقاتل داعش بشجاعة التراب.
كل المسؤولين عن سقوط الموصل برأوا انفسهم وتنصلوا عن المسؤولية ولم يتحمل احد منهم ثمن الخطأ الكبير ولذا كان لا بد من طرح سؤال جوهري.. كيف سقطت الموصل ومن اسقطها ومن تأمر عليها وعلى قول مظفر النواب.. من هرب هذي القرية من وطني يا وطني؟.
السؤال الجوهري الاخر اين كرامة الرجال وهي تضع الكرامة العسكرية على الاكتاف اذ يأبى الشرف العسكري في لحظات الهزيمة والانكسار الاعتراف بالهزيمة؟.
ان الشرف العسكري والعمل بمعــــاييره الوطنية والروحية قد يودي بصاحبه، اذا كان مهــزوما في معركة ومارس حق الاعتراف الذي يــمليه واجبه الوطني، الى المحاكمة والعقاب وقد يصل الى المقصلة، لكن الصاحب الذي لا يحترم شرفه العسكري وتـــاريخه والرتبة التي يحملها على كتفيه سيجد في الهزيمة (مسألة عادية) وان ادى ذلك به ان يكون طليقا لان المعيار هنا غائب والمسؤولية في الطين!.
السـؤال الاكـــثر الحاحا.. هل هنالك ضابط شريف اعترف بالهزيمة وقال للعراقيين عبر مربع الصورة التلفزيونية انني اتحمل المسؤولية التاريخية عن سقوط الموصل او على الاقل اعتذر عما حصل وان كان غير مقصر او متهم بالمسؤولية عن انهيار الموصل سواء من قادة السلطة السياسية في البلد او السلطة الواقعية في القوات المسلحة؟.
ان الذي حدث هو ان اغلب القادة العسكريين والسياسيين غادروا منصة الاعتراف الى منصة قبول الهزيمة والظهور في الشاشة التلفزيونية بمظهر الابطال وان المشكلة تكمن في (الريح السوداء) التي اتت الينا من سوريا او في التقصير والنكوص الذي مورس من قبل ضباط عمليات نينوى وهذا الامر سيبقى (عارا وطنيا) في جبين كل الذين كانوا سببا في سقوط ام الرماح حيث تحولت بعد سقوطها بيد داعش الى ام الجراح!.
ايها السادة نحن في الموصل ولسنا في دارفور وفي حمام العليل التي نعاها جابر الجابري قبل اكثر من ثلاثة وثلاثين عاما وهو يقف على منصة كلية الهندسة المدنية بالقول (واني بحمام العليل عليل) ومن ينكر على الموصل عللها وعلى تكريت مآذنها ومساجدها وعلى الانبار (دليميتها) فليس له في العراق مكان او ليس له مكان تحت الشمس.
ان الاعتــــــراف بالهزيمة عبر مصارحة العراقيين بالتفاصيل تسقط الكثير من الغل والكراهية الشعبية العامة التي تكتظ بها صدور ابناء شعبنا الذين هالهم مشهد الموصل وهي تسقط ذبيحة بســـكاكين المسلحين كما سقط الحسين صريعا بيد الذباحين.
لكن حــتى هذه الكرامــــــة (كرامة الاعتراف) لم يلتقطها احد وبقي سر سقوط الموصل مخبئا وربما سيكون مختبأ الى الابد في صدور ضباط كما في قلوب العراقيين المفجوعين بالهزيمة.
ان القضاء العسكري العراقي يجــــب ان يتحرك من الان مادام الضباط الذين كانوا مسؤولين عن هزيمة الموصل سكتوا ولم يتحدثوا علنا كما تحدث الفريق الغراوي امام الناس ومادام الاخوة المكلفون بمتابعة مهمة سقوط الموصل ارسلوا بنا رسالة عبر الاعلام ان الشوط امامهم لا زال طويلا وطويلا وطويلا وطويلا….
ولا اعرف مم يلوذ هؤلاء بالفرار امن العار الوطني ام الشرف العسكري الذي تركوه على التراب صريعا كما تركوا اخواتنا الايزيديات في سوق الرقيق او الغرف السرية لداعش.
لن ابرئ الغراوي لكن الرجل خرج في التلفزيون وقال كلاما تفاوت الناس في التعاطف او التناكف معه لكن الرجل خرج وادى ما عليه من مسؤولية تاريخية ازاء شرفه العسكري وكرامته الشخصية كضابط فلماذا لا يتحرك الاخرون ويبرؤا انفسهم ولماذا هذا الصمت الذي يلف هذه البيئة من الضباط الذين يدركون انهم عاجلا ام اجلا مطلوبون الى القضاء وسيحاسبهم ليدفع ببعضهم الى العقاب والبعض الاخر الى البراءة؟.
ان العسكرية العراقية مطالبة بوقفة تاريخية مع الذات ومع الثقافة السياسية التي غابت بعد انهيار الجيش العراقي بعد 9 نيسان 2003 والمطلوب ايضا اعادة ما يسمى (التوجيه السياسي) الى صفوف الجيش العراقي لان جزء كبيرا من الهزيمة كان بسبب عدم وجود ثقافة سياسية وبالتالي عقيدة سياسية عند الغالبية العظمى من الجنود.لقد تحدثت مع ضابط كبير في الجيش العراقي عن هذا الامر فاكد ان التوجيه السياسي موجود في القوات المسلحة لكن ليس هنالك مؤسسة تخطط وتشكل معالم هذه الثقافة في الجيش والمطلوب الاسراع بتحويل التوجيه السياسي الى مؤسسة لكي يكون الجيش العراق قادرا على خوض معارك المصير بنفس الروحية التي تخوض بها سرايا الحشد الشعبي تلك المعارك مع جل احترامي لجيشنا العراقي الباسل وتقديسي لشهدائه الابرار الذين صمدوا في الموصل قبل انهيارها فيما لاذ الاخرون بالفرار.

التعليقات معطلة