عصام الخفاجي
بات الحديث عن تراكب الهويّات مكرّراً. أمر طبيعي أن يكون المرء أرمنياً وسورياً، نوبياً ومصرياً، أمازيغياً (بربرياً، وفق التسمية العنصرية) ومغربياً في الوقت نفسه. حتى في إيران الإسلامية افتتح الرئيس روحاني نصباً تذكارياً لليهود الذين ضحّوا من أجل وطنهم إيران في حربها مع العراق. فلماذا يكاد شعور الكردي بأنه عراقي يبدو مستحيلاً مع مضيّ الوقت؟
سأغامر بالقول إن الهوية القومية الكردية بوصفها إحساساً يجمع الأكراد على اختلاف انتماءاتهم الجغرافية لم تتكرّس إلا منذ السبعينات. أعرف أن كثيرين من القوميين الأكراد سيحتجون مشيرين إلى تبلور حركة ثقافية كردية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإلى تمرد على الانضمام إلى دولة عراقية آخذة بالتشكّل عام 1920، وإلى ثورات امتدت بين 1961 و1991 تخللتها هدنات وهزائم. لكنّ تدقيقاً تاريخياً يبيّن أن أياً من تلك التحولات الدرامية عجز عن حشد تأييد كل الأكراد، وأن بث الوعي القومي الكردي أثّر في الحواضر المدينية بالدرجة الأولى.
ولا يشذّ هذا المسار عن تبلور الحركة القومية العربية وغيرها على امتداد التاريخ الحديث. فما يُسمّى بالنهضة القومية العربية انطلق من مدينتي دمشق وبيروت، والثورات ضد السلطة العثمانية لم تشمل كل أصقاع المشرق إذ ظلّت مصر بعيدة عنها وبقيت مراكز كبيرة مثل حلب والموصل ميّالة للعثمانيين.
لقد منح اتفاق الحكم الذاتي عام 1970 حسّاص جماعياً للشعب الكردي بقدرته على تحقيق إنجاز قومي بفضل حربه ضد أنظمة الحكم في بغداد، إذ انتزع اعترافاً قانونياً بحقه في إدارة كردستان (باستثناء كركوك) وتم الاعتراف بقيادة الثورة الكردية تحت زعامة الراحل مصطفى البارزاني ممثّلة للشعب الكردي. مذّاك لم تعد الهزائم في الحروب المستأنفة مع السلطة البعثية تلحق بقوة سياسية كردية محددة بل باتت هزائم يحسّها عموم الأكراد. ولا يقلل من هذا أن قطاعات تزيد أو تقل من عشائر مثل الهركي والدوسكي والزيباريين شكّلت أفواجاً مدفوعة الثمن حاربت شعبها إلى جانب القوات الحكومية وأطلق عليها الأكراد تسمية «الجحوش»، ولم يعد انتقام السلطة التي توسّع جيشها إلى مليون عسكري يتّجه إلى الحركة المسلّحة فقط بل بات يطال السكان المدنيين.
تعزّز المآسي التي يتعرّض لها أي شعب حسّه بالانتماء القومي المشترك، خاصّة إذ يواجه تلك المآسي وحيداً وسط لامبالاة الآخرين أو عجزهم عن تحويل تضامنهم إلى فعل محسوس يخفف من هول مصائبه. وعبارة «ليس للكردي صديق غير الجبل» تقول الكثير.
يعرف العراقيون ويعرف المتابعون عن «عمليات الأنفال» أن عدداً يتراوح بين 100 و180 ألف مدني دُفن معظمهم أحياء تحت رمال صحارى جنوب العراق. لكن قراءة التقارير وسماع الأخبار غير معايشتها يومياً. أقتطف من رواية تسجيلية كتبها كريم كطافة وهو شاهد عيان من قوات الأنصار التابعة للحزب الشيوعي:
«أول أيام السبي: كان الطيارون يؤدون عمل الرعاة وهم يحودون القطعان الهائجة… مئات من البشر يهربون باتجاهات مختلفة… ينبثق صوت المذياع وهو يكرر بيان السبي العام (العفو)… عند مدخل كلي كاني مازي خلف سلسلة جبال صويا، سيارات حمل كثيرة وجنود ينتشرون كالذباب في المكان. تجري هناك عملية عزل الرجال عن النساء والأطفال. سيارات حمل للرجال ومثلها للنساء… تصعد الشاحنات بتمهّل الطريق الأفعواني من الكلي إلى سفوح كانيكا. تختفي الشاحنات». سلّم القرويون أنفسهم وهم يرون عوائلهم تتضور جوعاً وعطشاً أمام أعينهم. شرب نصيران بولهما بعد أسبوع من الحصار.
«نسيج العنكبوت» هو عنوان الرواية. يقول نصيرٌ درس فن الحرب السوفياتي أن الجيش العراقي يطبّق أسلوب حصار بهذا الاسم ويندر استخدامه لأنه يُطبق على العدو من كل الجهات ولا يترك للمدنيين منفذاً للهروب. هي، باختصار، استراتيجية تتعمّد إبادة جماعية لا مجابهة عسكرية مع العدو المسلّح.
تسمية «الأنفال» التي أطلقتها السلطة على المذبحة ذات دلالة. الأنفال هي معركة بين أقوام، لا جيوش، تنتهي بأن يستولي المنتصر على الغنائم من العدو، أملاكه ونسائه. بعد 1988 حلّت محل أربعة آلاف قرية تم محوها مجمّعات كونكريتية لإسكان العوائل المهجّرة، ونشأت مناطق أسمتها السلطة «محرّمة» وانتصبت في مداخل كل مدينة وبلدة قلاع ذات تصميم موحّد تضم قوات الجيش وأجهزة المخابرات لتذكّر المواطنين (وتسمية مواطنين مجازية هنا) بأنهم شعب تحت الاحتلال.
بعد ثلاثة أعوام من الأنفال، زحف مئات ألوف الأكراد من جديد في سلاسل بشرية متّجهة إلى الحدود التركية والإيرانية بعد قمع الانتفاضة التي شملت معظم العراق. كان الجنوب يتعرّض لبشاعات مماثلة لكن شبح الأسلحة الكيماوية التي خبرها الأكراد من قبل كان يطاردهم.
حين سقط نظام البعث، كان المجتمع العراقي قد تفتّت بفعل عقود من البشاعات والحروب والحصار التي أصابت الجميع بدرجات مختلفة. تشظّى المجتمع العراقي ولجأ الأفراد إلى عشائرهم وطوائفهم بحثاً عن الحماية وسبل تأمين العيش. أما المجتمع الكردي فكان يلملم جراح حرب أهلية دامية بين الحزبين الرئيسين: الديموقرطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، حرب قسمت المجتمع جغرافياً وأوصلت الاستقطاب إلى مديات منذرة بالخطر.نظرياً، كان بوسع قيادة سياسية لنظام حكم أعلن تبنيه الديموقراطية أن تعمل على بناء ذاكرة جماعية توحّد ضحايا النظام البائد أو تقرّب بينهم على الأقل. لكن التاريخ لا يسير وفق ما تتمنى النظرية لسوء الحظ. إذ لم يكن لقادة الطوائف وأمراء الحرب الجدد مصلحة في شحذ الذاكرة الجماعية للعراقيين من خلال سرديّة تركّز على البشاعات التي تعرّضوا لها جميعاً. سرديّة تنطوي بالضرورة على مراجعة شاملة للذات يحك كل من الضحايا جروحه عبرها ويتأمل في دوره في إدامة نظام القمع. لقد استيقظت كل فئات الشعب من كابوس البعث مثخنة بجراحها ومنطوية على نفسها. وسنخدع أنفسنا لو انسقنا وراء شعبوية وردية تقول إننا لم نعرف التفرقة حتى جاء الأميركيون حاملين خطّة لتفتيت العراق. إذ هل كان بوسع أي مؤامرة، مهما بلغت درجة إحكامها، أن تحشد الملايين وراء قادة طوائفهم في الانتخابات المتتالية منذ 2005؟
كان التأكيد على مظلومية الشيعة وسيلة القادة الجدد الذهبية لتعميق هوية الانتماء إلى الطائفة وتأجيج استقطاب كان قائماً أصلاً. وكان بدهياً أن يرى السنّة أصابع الاتهام موجّهة إليهم على رغم الحديث عن ضرورة الفصل بين نظام البعث وبينهم، وهو اتّهام وحّدهم في مواجهة الشيعي والكردي. ولا يقل بداهة شعور الأكراد بالغربة إزاء دستور أكّد كون العراق، لا عرب العراق، جزءاً من الأمة العربية وأنكر حقهم في كونهم هم أيضاً جزءاً من أمة كردية. طالب العربُ العراقيين بتثبيت هذا النص فيما لم يرفعوا صوتهم اعتراضاً على دستور المغرب الذي عرّف البلد كأمة مغربية. تنبّهوا إلى أن سعي إسرائيل لتعريف نفسها دولة يهودية يحيل فلسطينييها إلى مواطنين من الدرجة الثانية، ولم يريدوا أن يتنبّهوا إلى الأمر ذاته في العراق.
تقتضي الواقعية الاعتراف بأن المسار التاريخي لكردستان كان مختلفاً، إن لم يكن متناقضاً، مع مسار العراق العربي طوال العقد الماضي. ولا يمكن تفسير هذا الاختلاف بالاستراتيجيات التي اعتمدتها القيادات السياسية لجزءي العراق فقط، وإن لعبت تلك الاستراتيجيات دوراً كبيراً في تعميق الاختلاف. مسار كردستان متوافق مع اتجاهات العصر الذي مهما قيل عن عولمته يظل عصر بناء الدول القومية لمن لم يتمتعوا بها حتى الآن: جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، نزاعات القوميات في إسبانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا، انفصال التشيك عن السلوفاك، وحالات عدّة أخرى. وهذا فيما مسار العراق العربي يدور في مستوى أدنى يتمثل في الصراع حول شكل دولة ما بعد الديكتاتورية، مدنية أم دينية تتظاهر بأخوّة الطوائف فيما تنقلب شوارع المدن وجسورها وأحياؤها إلى كرنفال من تسميات أئمة الشيعة وتُعلن المناسبات الدينية الشيعية عطلاً رسمية للدولة، وتبثّ مؤسسات الدولة الإعلامية الأذان والخطب الدينية الشيعية كما لو كان الخطاب الديني للعراقيين جميعاً. وفوق هذا، فإن فتاوى المرجع الديني الشيعي الأعلى وخطب ممثليه تستحيل توجيهات على قادة الدولة الامتثال لها.في مقابل كل هذا الشحذ لذاكرة الطائفة، لا تجد في بغداد نصباً واحداً يخلّد أو يستذكر ضحايا «الطائفة» الأخرى: خمسة آلاف كردي قضوا في حلبجة بالسلاح الكيماوي، 180 ألفاً في الأنفال. ليس ثمة يوم حداد وطني يذكّر العراقيين بما حلّ بأخوتهم. وفصل الطوائف والمكوّنات، كما يحلو للخطاب الرسمي وصفه، ورسم الحدود في ما بينها، لم تدفع الدولة حتى إلى التذكير بوحدة الضحايا العرب والأكراد إذ قضى نظام البعث على عشرات ألوف المنتفضين العرب لإخماد انتفاضة 1991. لقد تم رسم الحدود بين العراقيين، وآن الآوان لرسم حدود الجغرافيا.

