أحمد مصطفى علي
تذكرنا هجمات تنظيم “داعش” الإرهابي ضد كل رموز الحضارة والتاريخ والثقافة والعلم في العراق وسوريا، بأنه نسخة طبق الأصل من جيوش المغول والتتار، إن لم يكن يفوقها همجية ووحشية، فكلاهما قام بتدمير كل ما يمت للإنسانية والحضارة بصلة، وكأن التاريخ يعيد نفسه، بتعرض المنطقة لهجمات منظمة لطمس هويتها العربية وصولاً إلى تقسيمها وتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، الذي طالما سمعناه كثيراً من أفواه المسؤولين الأمريكيين و”الإسرائيليين”، من خلال خلق فوضى عارمة تتمثل بالتنظيم الإرهابي ومثيلاته من “جبهة النصرة” وجماعة الإخوان المسلمين ومن على شاكلتهم من أدوات تخريبية هدفها الأول والأخير تمهيد الظروف وإيجاد الأرضية لعودة الاستعمار إلى هذه المنطقة بعد محو تاريخها ورموز حضارتها العريقة .
تاريخ وحضارة المنطقة هو أكثر ما يخيف الكيان الصهيوني الغاصب الذي يسعى بكل السبل لإزالتها وتدمير حضارة المنطقة التي تعود لآلاف السنين، وما شاهدناه من صور ومقاطع فيديو، تظهر لنا جماعة همجية تنهال بالمطارق والمعاول على تدمير التماثيل الآشورية في متحف الموصل وجرف مدينتي الحضر ونمرود الأثريتين، اللتين تعودان إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وأخيراً تدمير مدينة خورسباد وحرق عشرات آلاف الكتب والمخطوطات الناردة، وقبل ذلك، استهداف وقتل وخطف أبناء المكون الآشوري في محافظة الحسكة السورية، وهذه غاية “إسرائيل” التي تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، إلا أن عراقة المنطقة، يبقيها محتلاً ثقيل الظل عليها، نظراً لانعدام أي تاريخ وحضارة لها .”إسرائيل” هي الأكثر استفادة من وجود هذه التنظيمات الإرهابية التي تحقق لها مآربها الاستعمارية الدنيئة، بعد أن عجزت عن تحقيق ذلك، عبر ترسانتها العسكرية الهائلة، ولعل أهمها، إضافة إلى تدمير حضارة وثقافة شعوب المنطقة، التغيير الديمغرافي لسكان المنطقة، عبر التضييق على مكوناتها الدينية والقومية، وإلا ما مبرر أن نسمع بين كل فترة وأخرى عن استهداف طائفة بعينها قتلاً وتهجيراً وخطفاً، بدءاً من الإيزيديين والمسيحيين والأكراد وليس انتهاء بالسريان والكلدان والآراميين والآشوريين وكل المكونات الأخرى التي نفتخر بأنها تشكل قوس قزح جميل وغني للمنطقة .
استهداف الآثار والكنوز الحضارية والكتب والمخطوطات النادرة، إرهاب ثقافي وجريمة حرب بامتياز، وعلى الأمم المتحدة ومؤسساتها المعنية التحرك بشكل عاجل وجدي لوقف عمليات التدمير المنهجي المتعمد للتراث البشري والوقوف في وجه هذه الهمجية الجديدة والعمل على توحيد جهود الأسرة الدولية لوقف هذه الكارثة التي ترتكبها “داعش” لمصلحة كيان محتل لا يمتلك إرثاً حضارياً لا مادياً ولا معنوياً .

