فرد آي. برنستاين
من على شرفة منزله المطلة على سنترال بارك، أشار صديقي، وهو مقاول ميسور، الى ورشة بناء برج «نوردستروم» قائلاً :»هذا البرج الواقع في 225 غرب نيويورك شارع 57 والبالغ ارتفاعه 1770 قدماً، سيحجب رؤية مبنى إمباير ستايت، أشهر ناطحة سحاب في العالم». والتعاطف مع خسارة هذا المليونير جوهرة من جواهر عقد الأضواء الذي يزين مشهد شرفته، عسير. ولكن خسارته يشاركه فيها كل النيويوركيين الذين يفقدون مشهداً مألوفاً من مشاهد مدينتهم، ويفقدون كذلك الضوء والهواء على وقع ارتفاع مبان باهظة العلو في وسط مانهاتن كما لو أنها شجرات فاصولياء عملاقة تصل الأرض بالسماء. وتشيّد عشرات الأبراج الشاهقة – علوها ألف قدم أو أكثر- في نيويورك. وهذه الأبراج لا تبرز كما في دبي أو شنغهاي في قفر خال، بل تزدحم في أحياء مكتظّة تتصدر أولويات سكانها نوعية الحياة – والضوء والهواء من أركان الحياة.
وتشييد سلسلة أبراج حول «إمباير ستايت»، مشكلة من المشاكل. فطوال 85 عاماً، كان المبنى رمز المدينة وبوصلة زوارها. فما على من ضلّ طريقه في مانهاتن غير أن يتلفّت الى أن يلقى السارية الذائعة الصيت التي تعلق بها كينغ كونع، فيعرف وجهته.
ومع بروز الأبراج الجديدة – يسدل الظل على المدينة ويحجب عنها الضوء. وفي 2013، بدأ الكاتب ورن جون الذي يعيش على مقربة من سنترال بارك، حملة لوقف ظهور ناطحات سحاب جديدة جنوب سنترال بارك، مخافة حجب الضوء عن الملاعب. ولكن عمدة المدينة يومها البليونير مايكل بلومبرغ، لم يتحرك لوقف مشاريع أنداده من الأثرياء النافذين. وتفاجأ المراقبون بسير خلفه العمدة الشعبوي، بيل دي بلازيو، على خطاه وإحجامه عن تذليل المشكلة. وسوّغ دي بلازيو موقفه بالقول أنه لن يكبح حركة التطور (العمراني) في المدينة.
والحال أن عمدة نيويورك يدير الظهر لتاريخ عمران المدينة، الذي درج على تقييد تطورها (العمراني) بقوانين ناظمة وترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. وقبل أكثر من قرن، كانت نيويورك رائدة في سن مجموعة قوانين تصنّف المناطق وترمي الى ضمان نفاذ الضوء والهواء الى كل سكانها، والى أكثرهم حرماناً وعوزاً، على وجه التحديد. ففي 1879، أقرت المدينة «قانون الشقق» الذي قضى بتزويد الشقق الصغيرة في مباني سكن الطبقات الدنيا بمسارب هواء عمودية. وفي 1901، عدِّل القانون ليشمل إنشاء فناءات كبيرة حول مثل هذه المباني. وفي الوقت نفسه، كان عمالقة الصناعة يشيدون أبراجاً في وسط المدينة وفي حيّها المالي. وحينها، كانت مقرات الشركات التجارية الضخمة تُقصر على عدد من الأحياء. وهذا النوع من الفصل بين وظائف المدينة واستخداماتها، لم يعد قائماً. وبعض المباني، وخصوصاً مبنى «إيكويتبل» الذي أنجز في 1915 ومساحته أكثر من مليون قدم مربع، هيمن على المدينة. فبادرت البلدية الى تقييد ارتفاع المباني وضمان نفاذ الضوء والهواء الى الشوارع. والتقييد هذا، وهو قضى بتقليص مساحة الطوابق بعد الطابق العاشر، وزيادة التقليص كلما ارتفع البناء في العلو، هو وراء بروز نماذج بناء فريدة من نوعها في القرن العشرين على غرار برج «ودينغ كايك» (كعكة الزفاف). و»إمباير ستايت» و»كريسلر» هما نموذجان من نماذج هذا الطراز من البناء الفاره الطول. فالقوانين أجازت تشييد الأبراج مهما بلغ ارتفاعها، ولكنها حددت مساحة الأبراج هذه بأقل من ربع المبنى المنحفض الارتفاع والمجاور لها.
ولكن في 1961، عدَّلت بلدية نيويورك قوانين تصنيف المناطق، وأطاحت مرحلة أبراج قالب الحلوى. وتأثر المسؤولون بمشروع المهندس مايز فان دير روه لبناء برج سيغرام في بارك أفينيو، وأقروا قوانين تصنيف مناطقي يدعم إنشاء أبراج مقابل تشريع المقاول حيزاً أمام الملأ. ولكن ليس كل المهندسين مثل فان دير روه، ولا يضاهي كرم كل الزبائن كرم سيغرام. وعمت المدينة أبراج سخيفة في ساحات شبه موصدة أمام الناس، وحجبت الضوء عنهم. ولكن تلك المرحلة كانت مرحلة نهضة الطبقة الوسطى، وكثرت مشاريع بناء شقق في متناول أبنائها. وعلى رغم أن برجي التجارة العالمية (بلغ ارتفاعهما 1368 قدماً) تجاوزا ارتفاع إمباير ستايت، غردا خارج سرب المباني الأخرى التي لم يتجاوز عدد طوابقها الستين دوراً.
ويبدو أن موجة الأبراج التي تحاكي أقلام الرصاص وهي بالغة الارتفاع، فاجأت الجميع، على رغم أن التكنولوجيا التي تتيح تشييد مثل هذه الأبراج (تضمن ارتفاعها الآمن من قاعدة ضيقة ومن غير أن تميل) تعود الى عقود خلت. وارتفع أخيراً برج 432 بارك أفينيو 1396 قدماً من موقع لا تزيد مساحته عن 90 قدماً مربعاً. والأبنية الجديدة مؤتلفة من أدوار الشقة فيها طابق. وساهمت حركة الطلب على الشقق الخاصة التي يبلغ سعرها بين 20 مليون دولار الى مئة مليون دولار، والمطلة على اتجاهات المدينة كلها، في بروز طراز جديد من الأبراج التي صارت علماً على هوة اللامساواة في نيويورك. واللافت، أن بناء هذه الأبراج لم يقتضِ حيازة رخصة من البلدية التي لم تعد تعيِّن حدود الارتفاع، وفي وسع المقاولين شراء حقوق «الهواء» من المباني المجاورة.
وعلى خلاف واقع الحال في نيويورك، تناقش بلدية لندن ومسؤولو التخطيط العمراني فيها حجم كل مبنى وشكله، ولا يشيّد أي مبنى استناداً الى «حق» (معطى). ولكن هذه القيود لم تحل دون تشييد مهندس «بارك أفينيو 432» برج «ووكي توكي» في لندن. ولكن على خلاف البرج النيويوركي، يوفر هذا البرج اللندني مرافق ترفيه عامة. والأبراج الجديدة تعيث الفوضى في سماء نيويورك التي كانت المباني فيها طوال معظم القرن العشرين، تشكّل نوعاً من زقورة (معابد متدرجة) أعلاها ارتفاعاً مبنى إمباير ستايت.

