Pdf copy 1

 جمال جاسم أمين
علينا ان نعرف أولا ان المستقبل هو الآخر بناء يحتاج الى تصورات مسبقة بل الى خطط تهدف الى تمثيل وتجسيد هذه التصورات، فهو لا يحدث صدفة ولا فجأة، وهو ليس هبة ننتظرها من احد او تحصيل حاصل كما يقال، بل هو مرتبط بنوع الحياة التي نتوخاها لأجيالنا وبنوع الجهد الذي نبذله نحن من اجل ذلك، كما يجب ان نعرف ايضا ظرفية العوائق التي تعيقنا الآن، فالبعض مثلا يحتج بأن اضطرارات الراهن لا تدع مجالا للتفكير بأحلام مستقبلية او تصورات نهدر لأجلها الوقت والمال بل علينا وفق هذه النظرة ان ننفعل بالراهن تماما دون ان نستشرف ما ينبغي ان نكون، هذه الرؤية الاتكالية تهدر اهمية مفهوم التنمية بكل اشكالها، ولعل اهمها تنمية الانسان نفسه او ما نطلق عليها بـ(التنمية البشرية) التي هي اساس الدراسات المستقبلية.
 في العراق تتعقد اللحظة فعلا وتتشابك الاضطرارات، لكننا في كل الاحوال ينبغي ان لا نغمض عينا عن حاجة المستقبل ايضا الى برامج عابرة للازمة، والى خطط تنمية تضع الآتي نصب اعينها ولا تهدره. لا اريد لهذا الكلام ان يظل عائما بل علينا ان نلامس التفاصيل الرئيسة لهذا الموضوع وأولها التعليم باعتبار ان التعليم الناجح هو مقدمة لصناعة الانسان كما انه الحاضنة التي تبنى فيها الكوادر العلمية والاقتصادية. التعليم هو ورشة التأهيل الاولى، وخط الشروع الذي تنطلق منه البلدان. ولا ننسى تمثيلات الثقافة باعتبارها الرأسمال الرمزي للجماعة، والتي تسهم حتما في تحسين اداء ومزاج الامة، ولهذا نجد أن كثيرا من الدول المتقدمة تنفق مزيدا من المال لدعم رمزيات الثقافة وفعالياتها، والامر ينبغي ان يتخطى المقاصد الاعلامية الى ما هو ابعد، لأن الاعلام مرتبط بالراهن بينما الثقافة بمجملها آلية من آليات صناعة المستقبل الافضل. الثقافة ينبغي ان تحمل في جوهرها حلم الامة في ان تكون وتتقدم.
 هناك على صعيد التنمية ايضا شيء يرتبط بالتأهيل او التدريب سواء كان محليا او ابعد من خلال ابتعاث الكفاءات لكسب المهارة والخبرة. كل هذا لا يحدث صدفة بل يحتاج الى خطط وبرامج مدروسة يشرف عليها اهل الاختصاص، وهنا تظهر اهمية مراكز البحوث والدراسات التي نريد لها ان تكون فاعلة حقا وان تبتعد عن الاداء النمطي الرتيب والخالي من روح المبادرة والابتكار. 
باختصار نقول: ان بناء المستقبل يحتاج الى روح المبادرة والى شجاعة الابتكار، وينبغي ان ترافقه مراجعات على صعيد الفكر والثقافة، وخطط رشيدة، وتهيئة مهارات، وإصرار وعزم على اهمية ان نكون افضل مهما كانت اضطرارات الراهن قاسية ومؤلمة، هذه المفردات التي لابد منها تدخل في صميم صناعة الامل لأن المستقبل كله يدخل في خانة هذا الامل. وهناك شيء يجب ان نؤمن به جميعا يمكن ان نسميه (روح الامة) او الشعب، هذه الروح هي المقصودة بالادامة والتنمية. المستقبل حلم جمعي كبير ينبغي ان نعطيه حقه من العناية والتأمل لا ان ننشغل عنه مهما كانت المشاغل لأن القادم قادم لا محالة.

التعليقات معطلة