المستقبل العراقي/ هيفاء احمد
في مواقف مختلفة تجد المرأة نفسها “مضطرة” لخوض معركة حامية الوطيس، تراوغ بذكاء وتوظف كل قدراتها لتحقيق غايتها دفاعا عن نفسها أو ردا لاعتبارها في حادث ما، أو لصد إساءة معينة، وهو ما يطلق عليه كثيرون “كيد النساء”. وفي الوقت الذي يخص أبناء المجتمع المرأة بالكيد، يرى مختصون أنها صفة “ليست حصرية بالنساء وإنما تطال الرجال أيضا”، غير أن لجوء المرأة للتصرف بدهاء، وفقهم “وليد ظروف مجتمعية تعيشها المرأة في حياتها وسط ضغوطات مختلفة”.وينوه مختصون إلى أن المرأة “تضطر للجوء للدهاء دفاعا عن حقوقها في مجتمع ذكوري”، لافتين إلى أن “وجود هذه الصفة لا يعني تعميمها وإلصاقها بجميع النساء”.وبين فورة الغضب والدفاع عن النفس؛ وجدت السيدة جمانة عيد نفسها في موقف لا تحسد عليه بعد زواجها، في مواجهة “ضرتها” التي حصلت على رقمها من خلال التفتيش في هاتف زوجها وباتت ترسل لها رسائل تهديد.وهنا لجأت جمانة لتغيير صورة بروفايل تطبيق “الواتس آب” لصورة لها ولزوجها في عناق وحالة حب، أما الحالة فاستبدلتها بأدعية بدلا من كلمات الغزل “لرد عين الحاسدين”، وفق قولها.وتضيف جمانة أن الوضع “ليس سهلا”، فضرتها لا تنفك عن مضايقتها والاتصال بها في أوقات مختلفة خصوصا حين تخرج مع زوجهما، منوهة إلى أنها ما إن يغادر الزوج حتى تبدأ ضرتها الحرب من خلال تغيير الصور الجميلة لها، على “الواتس أب” وتلك التي تجمعها بزوجهما في السفر وأخرى تلتقطها لتجهيز ملابس للطفل القادم.ودفاعا عن حقوقها ورغبة في تجنيب نفسها المضايقة، لجأت جمانة أيضا لتغيير رقم هاتفها وكلمات السر على هاتف الزوج، حتى انها اتفقت معه على تخصيص رقم مختلف لها، معتبرة اللجوء لهذه الوسيلة “أسلم من العيش في مكايدات وغيرة وحرق أعصاب”.الوضع لا يختلف كثيرا بالنسبة لزين حمدان التي وجدت نفسها لجأت لحياكة المكائد والمقالب والقصص التي تثير غضب زميلة لها بالعمل، ردا على تصرف تلك الزميلة التي تلجأ لاتباع أسلوب السخرية من الجميع بطريقة مهينة أحيانا، ما جعلها توظف أسلوبها نفسه في الرد عليها.فمن بعض التصرفات التي تقوم بها زين ضد هذه الزميلة استثناؤها من أي اجتماع مع زميلاتها الأخريات حتى انها أنشأت مجموعة عبر الهاتف تضم فيها كل الصديقات دونها ويتحدثن عنها في تواجدها، ويتباهين فيما يرسلنه ضمن هذه المجموعة التي تضمهن دون “تلك الزميلة”.وتبرر زين أفعالها بأن تلك الزميلة تتبجح وتسخر بمن هن حولها حول طريقة تصرفهن وذوقهن العام وتطلق على نفسها بأنها “ملكة الأناقة”.ومن جهته، يؤكد الاختصاصي النفسي د.جمال شاكر، أن كلا الجنسين لديه “كيد”، وأن هذه الصفة ذات أبعاد ثقافية واجتماعية ومفاهيم متراكمة ومغلوطة؛ حيث تسجل للأنثى صفات سلبية وتمنحها صفة المراوغة، إلا أن الواقع عكس ذلك وهي صفة تتواجد في الذكر والأنثى.ويوضح شاكر أن الغيرة لدى الأنثى “أقل” من غيرة الذكر، لكن الضغوط الاجتماعية وما تمر به الأنثى يجعلها “غير صريحة في طريقة التعبير عن مشاعرها”، وما ينتج عنها من تصرفات غير مباشرة مرتبطة بعدم قدرتها على التعبير عن نفسها كالذكر في المجتمع.ويضيف “أن المجتمع الذكوري لم يمنح المرأة الفرصة للتعبير عن نفسها بأريحية، إلى جانب تراكم الموروث المغلوط والعرف الذي أعطى للرجل مساحة أكبر”.ويشير :” إلى أن المرأة في هذه الحالة تجد نفسها في وضع “يجبرها على حماية ذاتها كأنها في حرب وكل التصرفات غير المباشرة تكون طبيعية وتوصف حينها “بالغيرة والكيد””.ومن جانبه، يرى الاختصاصي الاجتماعي د. عبد المنعم صبيح ، أن صورة المرأة اختلفت بتغير الزمن، فقبل 100 عام كانت صورتها “سلبية” لقلة إنجازاتها ومحدودية مكانتها؛ حيث كانت “مستبعدة” نتيجة التفكير والهيمنة الذكورية التي أعطت المرأة صفات سلبية آنذاك، مما زاد من عزلتها ودفعها للصراع من أجل امتلاك الموارد واكتساب الامتيازات في المجتمع.ويتابع صبيح أن الرجل يريد أن يفرض سيطرته ويستحوذ على هذه الامتيازات بإبعاد النساء عن مركز القوة، مبينا أن الرجال يميلون لكيد المكائد، وهي صفة “لا تنحصر بالنساء وأي فعل صادر عن النساء هو رد فعل دفاعي للإطاحة بالعقلية الذكورية التي طالتهن طوال تلك الفترة”.ويشدد صبيح على أن صفة “كيد النساء” تندرج تحت “العنف النوعي ضد النساء الذي يشمل الإساءة اللفظية والجسدية”.وكثيرا ما يلجأ بعضهن لاتباع أسلوب المراوغة والتمثيل والادعاء، وهو أسلوب تتبعه سمر غنيم، التي ترحب في جلستها مع صديقاتها بزميلة لهن، وما إن تغادر حتى يبدأن في انتقادها، لأنها لا تنفك عن “إثارة حنقهن واستفزازهن والمباهاة بما تمتلك”.وهنا يلفت د. جمال إلى :”أن الغيرة والتعليق على الأخريات مرتبط بإثبات الجدارة، وهذا كله يعود إلى الطريقة التي يقيّم بها المجتمع المرأة والأنثى بالاعتماد على الشكل وليس على الدور، وهذا وضعها بالزاوية، لأن الشكل هو الأساس مع استثناء مواصفاتها في الإنجاز، لذا تطمح حين تقوم بمثل هذه التصرفات لحجز مكان لها في المجتمع.

