فيكتور ماليت
مر شهر منذ أن كان زوج حسينة، أحمد صلاح الدين، وهو عضو بارز في حزب بنجلادش الوطني، قد عصبت عيناه واقتيد بعيدا من قبل شرطة مدنية مسلحة من منزل أحد الأصدقاء شمالي دكا. ولم يشاهد أو يسمع عنه أي شيء منذ ذلك الحين.
تقول حسينة، بصوتها المتقطع من أثر البكاء، وهي تجلس مع أحد أبنائها في شقة في منطقة جولشان الراقية في العاصمة “أنا فقط أريد أن يعود زوجي مرة أخرى، وليس أكثر. لماذا لا يبرزونه في المحكمة؟ ليس لديهم الحق في أخذه على هذا النحو. لدي أربعة أطفال”. على السطح، شوارع دكا المزدحمة والحديثة تجعل بنجلادش تبدو مثل أي دولة نامية أخرى ذات اقتصاد سريع النمو. بأغلبية مسلمة في بلد عدد سكانه يقارب 160 مليون نسمة، ظلت بنجلادش ديمقراطية قوية، وإن كانت عنيفة أحيانا ومختلة منذ نهاية الحكم العسكري في عام 1990. لكن أهل بنجلادش يقولون “إن اختفاء أحمد – الأمين العام المشترك لحزب بنجلادش الوطني – ليس سوى أحدث علامة على أن البلد نزل إلى أسوأ فترة من العنف السياسي والقمع الذي تمارسه الدولة، مع غياب القانون منذ 25 عاما أو أكثر”.
كانت هناك 202 حالة “اختفاء” تقف وراءها كتيبة التحرك السريع، وحدة النخبة لمكافحة الجريمة ومكافحة الإرهاب في قوات الأمن البنجلادشية، ومجموعات أخرى منذ عام 2009، وفقا لأوديكار، وهي منظمة حقوقية محلية.
الاضطرابات الأخيرة تسجل انحدارا جديدا في الخصومة القديمة بين الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء الحالية وزعيمة حزب رابطة عوامي، وخالدة ضياء، رئيسة الوزراء السابقة التي ترأس الآن حزب بنجلادش الوطني. تقول الحكومة “إن حزب بنجلادش الوطني هو الذي يقف وراء أعمال العنف التي ميزت حملة إضرابات واحتجاجات قادها الحزب”. وقد تصرف الاشتباكات بين الحزبين الرئيسيين أيضا الانتباه عن تصاعد خطير من تطرف الإسلاميين بين الفصائل الأخرى.
وإن لم يكن نشطاء المعارضة قد “اختفوا” أو قتلوا في عمليات قتل خارج نطاق القضاء، فقد يلقى عليهم القبض بناء على أوامر من حكومة حسينة، ومضايقتهم أو استهدافهم بعشرات القضايا الجنائية الملفقة والزائفة. وقد اضطر كثير منهم إلى الاختباء. منظمة أوديكار نفسها، المحرومة من التمويل الأجنبي بناء على أوامر من حسينة، نفدت أموالها. وكان رئيسها، عديل الرحمن خان، هو نفسه قد اختطف قبل عامين ثم وضع قيد الحجز لمدة شهرين.
كذلك استهدفت الحكومة الانتقامية وسائل الإعلام، فاعتقلت الصحافيين وأغلقت محطات تلفزيونية، وعطلت تطبيقات التراسل عبر الهاتف الجوال، مثل فايبر وتانجو، وتسببت في طلب البنجلادشيين المضطربين الذين كانوا ذات مرة يتحدثون بحرية للصحافيين الأجانب، عدم الكشف عن هوياتهم عندما يعلقون على السياسة.
سجيب واجد، ابن رئيسة الوزراء ومستشارها الذي يعرف محليا باسم “جوي” (الكلمة البنجالية التي تعني “النصر”)، دعا إلى إلقاء القبض على صحافيين مثل محفوظ أنعم، الناشر المحترم لصحيفة “ديلي ستار”، ومحاكمته بتهمة الخيانة بعد أن نشرت الصحيفة صورة تظهر ملصقا سياسيا يدعو لإسقاط الحكومة.
مسؤولون حكوميون يبررون حملتهم بالقول “إنها رد فعل على أشهر من الإضرابات الاحتجاجية والحصار المضروب على وسائل النقل التي نظمها حزب بنجلادش الوطني وحلفاؤه”. بدأت الجولة الأخيرة من الاحتجاجات في الخامس من كانون الثاني (يناير)، الذكرى السنوية الأولى للانتخابات العامة التي قاطعها حزب بنجلادش الوطني، وأعادت حسينة ورابطة عوامي إلى السلطة.
وقُتِل أكثر من 100 شخص، بعضهم أحرق حتى الموت في إلقاء قنابل حارقة على سيارات من قبل مسلحي المعارضة. وكان مصدرون لتجارة الملابس الحيوية – أكبر صناعة في بنجلادش – يلجأون في بعض الأحيان إلى السير في قوافل من الشاحنات أو إلى الشحن الجوي المكلف، لإيصال منتجاتهم إلى ميناء شيتاجونج ومنه إلى تجار تجزئة الملابس في الخارج. وكثير من المدارس أغلقت لمدة أسابيع متواصلة.
وباستثناء جماعات حقوق الإنسان الدولية وعدد قليل من السياسيين، ظل العالم الخارجي بمعزل إلى حد كبير عن الأزمة المتفاقمة في بنجلادش منذ بداية العام، على الرغم من شتات البنجلادشيين الكبير خارج البلاد. وبالكاد همست الحكومات الغربية حول هذا الموضوع علنا. وتفضل الهند ذات الأغلبية الهندوسية، حكومة رابطة عوامي بقيادة حسينة على البديل المتمثل في حزب بنجلادش الوطني الذي من شأنه يأتي بحكومة تضم حلفاءه الإسلاميين في حزب الجماعة الإسلامية.
ويشعر بنجلادشيون بارزون بالقلق إزاء التنافس المرير على نحو متزايد بين حسينة وخالدة ضياء، أو “البيجومين (السيدتين) المتقاتلتين”.
أولا، هم يخشون من أن حكم حسينة الآن يعتبر قمعيا لدرجة أنها لا يمكن أبدا أن تتنحى، خوفا من الانتقام من قبل حكومة حزب بنجلادش الوطني مستقبلا، في انحراف نحو ترسيخ الحكم الاستبدادي الذي من شأنه أن ينهي تناوبهما المنتظم على السلطة. قلقهم الثاني هو أن سياسيي التيار السائد منشغلون تماما بالنزاعات التي يعود تاريخها إلى الاستقلال عن باكستان عام 1971 – أصبح ضياء الرحمن، زوج خالدة، دكتاتورا عسكريا بعد اغتيال والد حسينة، الشيخ مجيب الرحمن، الأب المؤسس لبنجلادش، وضياء الرحمن نفسه اغتيل بعد ست سنوات – وبذلك يتجاهلون الخطر المتزايد من تطرف الإسلاميين الذي ترعرع في المدارس الدينية المنتشرة في بنجلادش.
فقط في الشهر الماضي، قالت الشرطة “إن ثلاثة رجال من طلاب المدارس الدينية ضربوا حتى الموت، مدونا يبلغ من العمر 27 عاما، لأنه كان قد انتقد تطرف الإسلاميين. وكان المدون العلماني الثاني الذي يقتل في قلب دكا بهذه الطريقة هذا العام”.
محبوب الرحمن، وهو قيادي في حزب بنجلادش الوطني وقائد سابق للجيش، يرثى لحال بنجلادش يشعر بالأسى لحقيقة أن العداوة بين “سيدتين متشاجرتين” وفرت أرضا خصبة للمتطرفين. ويقول “الحكومة عازمة على تدمير الديمقراطية وإدامة حكمها لفترة طويلة مقبلة”. ويتابع “نحن خائفون من أنه قد يكون هناك بعض القوى الشريرة التي تأتي (…) أخشى من التشدد الديني”.
عبد المعين خان، وهو عالم نووي، ووزير سابق وقيادي آخر في حزب بنجلادش الوطني، يتهم حزب رابطة عوامي بفرض دولة بوليسية وحرمان حزبه من “الحد الأدنى من الفضاء الديمقراطي الذي يجب أن يكون لأي حزب سياسي للعمل”. المؤسسات ابتداء من لجنة الانتخابات إلى الخدمة المدنية والقضاء والجيش تم إفسادها أو تحييدها من قبل حسينة والحكومة، كما يقول.
ويضيف “الشرطة فاسدة تماما. كتيبة التحرك السريع تقتل الناس يمينا ويسارا. إنهم يقتلون الناس الذين هم حتى خارج عالم السياسة – من أجل المال، من أجل الأرض. إنه انهيار تام للقانون والنظام”.
ويصر الوزراء والمسؤولون على أنهم يتصرفون في مصلحة بنجلادش. وينفي إتش تي إمام، وهو وزير ومستشار لرئيسة الوزراء، أن هناك أي رقابة (إعلامية) في بنجلادش ويقول “إن الناس العاديين ملوا من أشهر من الإضرابات والتوقف عن العمل التي يحركها حزب بنجلادش الوطني ورفض كذلك اتهامات القمع الشامل”.
ويقول “القتل والتآمر للقتل يعدان الشيء نفسه”. ويضيف “على حد علمي، الناس الذين ألقي القبض عليهم – قد تكون هناك حالة أو حالتان من الحالات الاستثنائية – كان معظمهم عنيفين للغاية في خطبهم، وفي الطريقة التي يطلبون بها من الناس الخروج والهجوم”.
وينتقد إمام بشدة طارق ضياء الرحمن، نجل زعيمة المعارضة – مقره لندن – الذي سيواجه الاعتقال بتهم الفساد والعنف، إذا عاد إلى أرض الوطن، لكنه ينفي أن الحكومة تحاول تدمير خصومها. ويقول “نريد معارضة قوية وقابلة للحياة، ليس هذا فقط، نحن ندرك أننا سنكون في المعارضة مرة أخرى”.
ويعتقد أصحاب مشاريع ومستثمرون من غير حزب بنجلادش الوطني أن حزب بنجلادش الوطني قد تم استنفاد قواه بسببب معركة خاسرة ضد حزب رابطة عوامي، وأن من الممكن أن تكون بقية العام سلمية نسبيا. وبالفعل قرر حزب بنجلادش الوطني السماح لأعضائه بالمشاركة في انتخابات بلدية في دكا وشيتاجونج في نهاية نيسان (أبريل) الجاري.
وعلى الرغم من التطاحن بين الحكومة والمعارضة، يقول عطي الرحمن، محافظ البنك المركزي “مهما يحدث على الجبهة السياسية، الاقتصاد في بنجلادش مستقر، وهو أقل تقلبا ويمضي قدما”. ويضيف “هناك المرونة التي تحمل في ثناياها أمة فتية – لا أحد يستطيع أن يمنعها”.
ويشير المحافظ إلى خطط بمليارات الدولارات من اليابان والصين وغيرهما، لبناء بنية تحتية، بما في ذلك ميناء جديد في خليج البنجال وجسر فوق نهر بادما (الجانج الأدنى). ويتحدث عن نمو اقتصادي ثابت يبلغ 6 في المائة سنويا وتوسع مستمر في قطاع تصدير الملابس الجاهزة الذي يبلغ حجمه 25 مليار دولار سنويا.ومن المتوقع للتحويلات المالية من دول الخليج وأماكن أخرى، كما يقول، أن ترتفع إلى أكثر من 15 مليار دولار في السنة المالية الحالية، مقارنة بـ 14.2 مليار دولار العام الماضي. وارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي بمقدار ثلاثة أضعاف في السنوات الخمس الماضية لتصل إلى 23 مليار دولار، أي ما يعادل ستة أشهر من الواردات.
ويرى المتفائلون أن بنجلادش تقوم في نهاية المطاف بمحاكاة دول أخرى ذات أغلبية مسلمة، مثل ماليزيا، لديها ديمقراطيات لا تتسم بالكمال، لكن ذات أنظمة اقتصادية ناجحة. ويقول أحد الصحافيين المحليين القياديين “أنا لا أعتقد أن بنجلادش ستصبح باكستان، بل ستصبح تركيا”.
لكن اقتصاديين مستقلين يقولون “إن النمو تأثر بالاضطرابات أكثر مما تقبل الدولة الاعتراف به”، مشيرين إلى أن الإحصاءات الرسمية تقلل من تأثير اضطرابات النقل على الطرق والإنفاق الاستهلاكي في الأشهر الأخيرة. وقليل من البنجلادشيين يدفعون الضرائب وهروب رأس المال يعتبر أمرا راسخا. وللمرة الأولى منذ ست سنوات، من المتوقع لبعض المؤسسات المالية الدولية أن تخفض توقعات النمو للعام الحالي إلى أقل من 6 في المائة.
أحد المحللين الاقتصاديين، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، يشبه بنجلادش بكينيا بسبب مزيج الفساد المتفشي واستقرار الاقتصاد الكلي فيها، ويعرب عن قلقه حول أحدث مظاهر التنافس بين حسينة وخالدة ضياء. ويقول “كل منهما ترى هذه المعركة كما لو أنها تقريبا هي المعركة الفاصلة”. ويضيف “ما يقلقني هو أننا ننتقل ربما إلى وضع طبيعي جديد فيه مستوى عال من العنف (…) وقليل جدا من الفضاء السياسي، وحالات الاضطراب”.
زيدي ستّار، رئيس معهد مجلس إدارة أبحاث سياسات بنجلادش، يقول “إن الاقتصاد قد نما لسنوات دون إمكاناته، لأنه كان رهينة للسياسة”. لكنه يضيف “هذه المرة القمع السياسي الذي يراه المرء والتعامل مع المعارضة – حتى نحن أصبنا بالدهشة من أن الحكومة تذهب إلى هذا الحد وتحاول القضاء على المعارضة. يجب على الجانبين أن يتحدثا”.
من جانبها لا تزال حسينة، زوجة أحمد صلاح الدين، تبحث عن زوجها المفقود. وقالت العضوة السابقة في البرلمان، “إنها طلبت المساعدة من رئيسة الوزراء ومن جماعات حقوقية وبعثات دبلوماسية أمريكية، وأوروبية، وإماراتية وغيرها – لكن حتى الآن لا يوجد أي تأثير لذلك”.
إمام يقول، “إذا كانت قوات الأمن قد ألقت القبض عليه فإنها ستقدمه بالتأكيد إلى المحكمة”، لكن معارضي الحكومة يقولون “إنه ربما تعرض للضرب أو التعذيب وتوفي في الحجز”. وتقول زوجته المعذبة “إنها متأكدة 100 في المائة من أنه اختطف من قبل الدولة”. وتضيف بهدوء “لا أعرف إن كان حيا أم لا، ماذا يمكنني أن أفعل؟”.

