Pdf copy 1

د. بسام أبو عبد الله
منذ وصول الرئيس باراك أوباما إلى سدة الرئاسة الأميركية ببرنامج انتخابي يقول للشعب الأميركي فيه: (إنني لن أرسل جنوداً أميركيين بعد الآن إلى الخارج إلا في حالة التهديد المباشر للأمن القومي الأميركي)، وقضية حروب الولايات المتحدة، ونهجها العدواني تجاه الشعوب والدول موضع نقاش داخل هذه الإمبراطورية، على الرغم من النتائج الكارثية التي وقعت على المجتمع الأميركي، والشعوب الأخرى التي غزتها منذ منتصف القرن الماضي.إن قضية الأمن القومي الأميركي قضية مطاطة، وقابلة للوصول إلى أي مكان، وهي قضية قابلة للاستخدام حين توافر رغبة لدى النخبة الحاكمة في أميركا لضرب أي بلد في العالم بدءاً من الحديقة الخلفية في أميركا اللاتينية، والجنوبية، إلى آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، والشرق الأوسط دون أن يستطيع أحد أن يضع تعريفاً لها، أو محددات لأنها تتغير وفقاً لإستراتيجية كل إدارة، ووفقاً لدور اللوبيات المهيمنة على القرار الذي تديره وفقاً لمصالحها- أي بمعنى آخر: أميركا بلد معقد للغاية، ولكن استمرار سياسات الهيمنة على الشعوب، وسياسات العدوان على الدول- وصلت إلى مراحل لا يمكن تحملها، وخاصة مع بدء تشكل عالم جديد متعدد الأقطاب يطرح بدائل للشعوب، والدول خارج إطار الهيمنة الأميركية.مناسبة الكتابة عن هذا الموضوع ليست عابرة، وإنما مرتبطة بما قاله الرئيس باراك أوباما للصحفي الأميركي الشهير (توماس فريدمان) ونشرته نيويورك تايمز في 5/4/2015 تحت عنوان (عقيدة أوباما وإيران)، والسؤال الذي يطرح هُنا: هل هي فعلاً عقيدة أوباما- أم إنها عقيدة أميركا الجديدة- بعد أخذ الدروس المستخلصة من حروب أميركا ما بعد عام 2000؟ وبعد بروز تحولات، وتغيرات على مستوى موازين القوى في العالم اقتضت إحداث مثل هذه الانعطافة؟
إن القراءة الدقيقة لما قاله أوباما لتوماس فريدمان توصلنا إلى ما يلي: 
1- سوف تلجأ الولايات المتحدة إلى الانخراط الدبلوماسي مع ملاقاة حاجاتها الاستراتيجية الأساسية، وهذا يخدم بشكل أفضل مصالح أميركا… أكثر من نظام العقوبات، والعزل إلى مالا نهاية (هنا أشار إلى: إيران، بورما، كوبا…).
2- يعتقد أوباما أنه لابد من التجريب عبر الجهد الدبلوماسي، ذلك أن نظام العقوبات لم يعد يُجدي نفعاً مع إيران، أو غيرها، وإذا تمكنا من حل هذه القضايا بالطرق الدبلوماسية فإننا على الغالب سنكون أكثر أماناً، وأمناً، وفي وضع أفضل لحماية حلفائنا كما يقول، مع أمل يتمثل بالقول: ومن يعرف؟ يمكن أن تتغير إيران.
3- يعرف أوباما، والعالم كله أن قدرات أميركا العسكرية هائلة، وكذلك قدراتها الردعية فقد أشار إلى أن موازنة أميركا العسكرية تصل إلى حدود (600) مليار دولار، وبالتالي يبدو تساؤله هنا: لماذا تفشل أميركا دائماً في مقارباتها، وهل القوة العسكرية وحدها كافية للوصول إلى الأهداف الموضوعة؟ الاعتقاد أن أوباما وصل إلى قناعة أنه لا يمكن الاستمرار بسياسة استخدام القوة، ولابد من مقاربة دبلوماسية مع الاحتفاظ بالخيارات الأخرى على الطاولة.
4- يُقر أوباما بالتاريخ المرير لبلاده مع الدول، والشعوب الأخرى، ويشير إلى أن العلاقة مع إيران مليئة بتاريخ من عدم الثقة، ويُقر بحق إيران الشعور بذلك بعد أن يُذكر بحرب صدام عليها، وبالحروب العلنية، والسرية التي واجهتها طوال عقود من الزمن، الأمر الذي يحاكي بشكل أكثر منطقية الواقع، ويحلله بدقة ليس بسبب صحوة الضمير المفاجئة إنما بسبب صمود الإيرانيين وصبرهم الطويل.
5- يعترف أوباما بمرارة أنه تأثر جداً بالهجوم الإسرائيلي عليه، واتهامه بأنه (معاد لإسرائيل)، ووصول الهجوم إلى عقر داره في الولايات المتحدة، على الرغم من أن إسرائيل حصلت على أكبر دعم في عهد أوباما، مشيراً إلى أن أميركا ستقف إلى جانب إسرائيل في أي حرب تشن عليها، وهنا لا بد من استخلاص أمرين:
أ- لا يمكن لإسرائيل الاستمرار بالاعتماد على الحماية الأميركية (لأن المشروع الصهيوني أصبح عبئاً عليها، وعقيماً، وغير منتج لأميركا).
ب- من دون إيجاد حل سياسي قائم على الدولتين (إسرائيل، ودولة فلسطينية) لا أفق لإسرائيل في المنطقة.
خلاصات أوباما هذه تجاه إسرائيل مبنية على بحوث، ودراسات، وليس على رأي شخصي، ذلك أن موازين الردع في المنطقة، وتنامي قدرات المقاومة والشعوب جعلت من إسرائيل (قوة عسكرية) غير قابلة للصرف والعمل بحرية كما كان الأمر في ستينيات القرن الماضي.
6- بالنسبة للأتباع العرب (أسماهم الحلفاء المذهبيين)، كان أوباما واضحاً للغاية تجاههم حيث لخص طبيعة العلاقة القادمة معهم، وفقاً للآتي:
أ- نعزز قدراتكم العسكرية، والدفاعية، ونتحدث عن اتفاقيات جديدة.
ب- لا بد من إحداث تغييرات سياسية في بلدانكم ترفع المظالم عن شعوبكم، أي إن الشكل الحالي للنظم السياسية لم يعد مقبولاً.
ج- الخطر على بلدان الخليج ليس من إيران، إنما من الداخل نتيجة عدم رضا الشعوب، وهنا لن تتدخل أميركا للدفاع عن أي نظام خليجي إذا كانت الأسباب داخلية وخاصة مع وجود أيديولوجيا مدمرة، وعدمية (المقصود هنا التفكيريون).
د- على الأتباع أن يذهبوا بأنفسهم للقتال بعد الآن، لأن أميركا لن تقاتل نيابة عن أحد… (قد يبدو هنا العدوان السعودي على اليمن نموذجاً لهذه المقاربة الأميركية الجديدة..).
اختصر أوباما كلامه مع (توماس فريدمان) بشأن مقاربته: إن مصالح أميركا ليست النفط فقط، أو السيطرة على الأراضي، إنما أن يعيش كل إنسان بسلام!!! وألا يُهاجم حلفاؤنا، وأن تعمل هذه المنطقة بشكل جيد، وأعتقد- والكلام لأوباما- أن الاتفاق مع إيران هو المكان الذي يمكن أن نبدأ منه.
إن ما سبق عرضه ليس هدفه الإيحاء بأن أميركا قد تحولت إلى جمعية خيرية وأن أوباما هو حمامة سلام جديدة، وإنما بهدف المقاربة الموضوعية لخلاصات توصلت إليها أميركا خلال الخمسة عشر عاماً الماضية بعد محاولات الهيمنة، والسيطرة على الشعوب بالقوة، وفهم التحولات التي ستشهدها المنطقة بعد توقيع الاتفاق في نهاية حزيران القادم، ذلك أن هذه المقاربة الأميركية التي قدمها أوباما تجاه إيران، أو غيرها من الدول سوف تنسحب على سورية حتماً، وخاصة أن التصريحات الأميركية بدأت تتغير، والصحافة الأميركية تجري مقابلات مع الرئيس الأسد.. وإذا كانت سياسات العقوبات، والعزل تجاه إيران قد فشلت كما اعترف أوباما، فإن سياسات العدوان، والعقوبات، والإرهاب، قد فشلت تجاه سورية، وشعبها العظيم أيضاً، وبالتالي لا أحد يتغير لمجرد حنان هبط عليه، وإنما رسم المعادلات الجديدة يتم عبر المواجهة، والصمود، والشهداء، والدماء، ومن هنا تكمن أهمية صمود سورية خلال السنوات الأربع الماضية، ولولا ذلك لما وجدنا أوباما يتحدث بهذه اللغة مع توماس فريدمان.
يبقى السؤال الأهم: هل هذه عقيدة أوباما فعلاً أم عقيدة أميركا القادمة؟
أعتقد أن العالم تغير كثيراً، فحتى الجمهوريون لديهم عقل أيضاً.

التعليقات معطلة