Pdf copy 1

وليد عبدالناصر
يحتفل الشعب الفيتنامي في الثلاثين من نيسان (أبريل) الجاري بمرور أربعين عاماً على انتهاء الحرب في فيتنام، وعلى إعادة توحيد بلاده، بعد انتصار ثوار «الفايت كونغ»، المتحالفين مع قوات فيتنام الشمالية في ذلك الوقت، ودخولهم عاصمة ما كان يعرف بفيتنام الجنوبية المسمّاة «سايغون» آنذاك وتغيير اسمها إلى «هوشي منه» وهو اسم الزعيم التاريخي الفيتنامي الذي قاد بلاده لإنجاز مهمة التحرر الوطني والاستقلال ومواجهة القوى الخارجية الطامعة في بلاده بعد الحرب العالمية الثانية بداية بفرنسا وانتهاءً بالولايات المتحدة الأميركية، وهو الذي توفي قبل تحقق هذا الانتصار التاريخي في عام 1975.
والواقع أن هذه المناسبة لا تقتصر على فيتنام وحدها، لأن هذا التاريخ ارتبط أيضاً بانتهاء حروب إقليم «الهند الصينية» الذي تنتمي إليه فيتنام، في مواجهة الولايات المتحدة ونظم الحكم المؤيدة من جانبها آنذاك، بما شمل، إضافة إلى فيتنام ذاتها، كلاً من كمبوديا ولاوس، وبحيث بقيت فقط تايلاند في ذلك الوقت، وبالرغم مما واجهته من موجات عدم استقرار سياسي واجتماعي، هي الحليف الوحيد المتبقي للولايات المتحدة والغرب في ذلك الإقليم. فخلال أيام من سقوط «سايغون»، كان ثوار الخمير الحمر، الشيوعيون أيضاً، ولكن المدعومين من الصين وليس من الاتحاد السوفياتي السابق كما كان حال «رفاقهم» في فيتنام، قد دخلوا العاصمة الكمبودية «بنوم بنه» وأعلنوا تغيير اسم الدولة من كمبوديا إلى «كمبوتشيا».
والأحداث التي نشير إليها هنا ليست مجرد أحداثٍ تاريخية عابرة ومنقطعة الصلة بالحاضر والمستقبل، بل هي عوامل، وإن صارت اليوم في حكم التاريخ، أسهمت بدرجة كبيرة في صوغ وقائع وفي التأثير على تطورات، بعضها له دلالاته حتى الآن، والبعض الآخر ستستمر انعكاساته ما استمرت هذه المنطقة المهمة من العالم وتفاعلاتها مع العالم من حولها. فالخروج الأميركي من تلك المنطقة في شكل هزيمة عسكرية وسياسية واضحة المعالم في ذلك الوقت، وبعد سقوط عدد ضحايا ضخم من العسكريين القتلى والمعاقين والمصابين، والتداعيات الداخلية التي هزت المجتمع الأميركي آنذاك بسبب نتائج التدخل العسكري الأميركي في فيتنام ومجمل «الهند الصينية»، كان، ولا يزال، يمثل نقطة فارقة في تاريخ علاقات الولايات المتحدة الأميركية بالعالم من حولها.
وبالقدر نفسه، تمثل هذه المناسبة فرصة مهمة لمراجعة تأثيرات نهاية تلك الحرب على البلدان المعنية مباشرة بها وذات التأثر الأعلى باستحقاقاتها، وكذلك على مجمل القواعد الحاكمة لعمل النظام الدولي ككل.
فيكاد المرء أن يقارن تلك النتائج على الصعيد الدولي، وأيضاً في ظل أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق والغربي بقيادة الولايات المتحدة زمن حدوثها، بالنتائج المترتبة عالمياً على قرار تأميم قناة السويس في مصر وما تبعها من عدوان ثلاثي كان مآله الخيبة والفشل، وذلك من جهة إعادة رسم خريطة منطقة مهمة استراتيجياً للعالم بأسره، وأيضاً من جهة إدخال تعديلات جوهرية على المنظومة القيمية السائدة في إدارة العلاقات الدولية ككل.
صحيح أن الخروج الأميركي من «الهند الصينية» في ذلك الوقت لم يعنِ الانتهاء الفوري لصراعات وحروب المنطقة، حيث شهدت الفترة التالية مباشرة لهذا الخروج حرباً تقليدية شاملة بين فيتنام وكمبوديا، كانت أقرب لحرب بالوكالة بين الاتحاد السوفياتي السابق والصين، كما شهد أيضاً اقتتالاً داخلياً في كمبوديا، مرة أخرى بين فصائل شيوعية حاكمة موالية للصين وأخرى معارضة موالية للاتحاد السوفياتي السابق ومدعومة من فيتنام، كما حدثت مواجهة عسكرية محدودة لاحقة بين فيتنام والصين، إلا أن هذه الصراعات انتهت، بخاصة مع الاتفاق الذي تم توقيعه في باريس بشأن كمبوديا برعاية الأمم المتحدة، وبدأت تتصاعد أهمية دول المنطقة ودورها، خصوصاً فيتنام، على الساحتين الدولية والإقليمية، بشكل متسارع، وإن لم يكن ملحوظاً في البداية، بخاصة على الصعيد الاقتصادي. وكمنت المفارقة في أن فيتنام اتبعت، من الناحية الفعلية، نموذج أقرب للنموذج الصيني منه للنموذج السوفياتي، رغم تحالفها السياسي والأيديولوجي آنذاك مع موسكو في مواجهة بكين، وكان ذلك أحد عوامل نجاح النموذج الفيتنامي، بخاصة في ضوء مآل النموذج السوفياتي مقابل ما وصل إليه النموذج الصيني حتى الآن، وذلك من حيث الجمع بين سياسات اقتصادية تستخدم ما يسمّى بـ «آليات السوق الاجتماعية» ونظام سياسي يقوده ويوجهه الحزب الشيوعي الحاكم.
وقد تمكنت المنطقة ككل، ورغم أحداث لاحقة على فترات في تايلاند مثلت تهديدات لاستقرار هذا البلد المهم، من الاندماج في التجمع الأكبر لبلدان جنوب شرق آسيا المعروف بـ «الآسيان»، وهو تجمع صار منذ سنوات لاعباً أساسياً ليس فقط في تفاعلات القارة الآسيوية وجوارها الباسيفيكي، بل أيضاً على المستوى الدولي، ولا يقتصر دوره حالياً على البعد الاقتصادي، بل له أدوار سياسية وأمنية لا يجب الاستهانة بها. كما أن فيتنام، وغيرها من بلدان المنطقة، صارت، بشكل متزايد، تجيد توظيف الأدوات الديبلوماسية المتنوعة، بمزيجها القانوني والسياسي، في إدارة خلافاتها مع دول أخرى، سواء داخل القارة الآسيوية أو خارجها، ومن ذلك على سبيل المثال عدد من النزاعات على الحدود البحرية بين دول المنطقة في جنوب شرق وشرق آسيا، والتي تشمل فيتنام والفيليبين والصين واليابان وكوريا الجنوبية خصوصاً، وهي نزاعات تبدو للوهلة الأولى معنية فقط بالسيادة الوطنية وممارستها، ولكن سريعاً ما يتضح أيضاً اتصالها بمصالح اقتصادية في هذه المناطق البحرية المتنازع عليها. إلا أن القارة الآسيوية بأكملها، وبالرغم مما يوجد في داخلها من تباينات، بل أحياناً تناقضات، نجحت بامتياز في أن تحقق نبوءة أنها قارة القرن الحادي والعشرين، ولا شك أن أحد أسباب ذلك هو انتهاء الحرب في فيتنام ومجمل «الهند الصينية» وتمسك فيتنام وبقية دول المنطقة بالمسار السلمي والديبلوماسي في العمل الإقليمي والدولي والتركيز على أولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.وإذا انتقلنا إلى الصعيد الأميركي، نجد أن تجربة فيتنام المريرة تركت بصماتها على المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية لعقود تالية، وحتى اللحظة، بخاصة في ما يتعلق بالحذر الشديد وتجنب الاندفاع في أي عمليات عسكرية خارج الحدود، إذا لم يكن هذا التدخل حيوياً للغاية لاعتبارات الأمن القومي والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية، من وجهة نظرها بالطبع، وكذلك أن يكون مدروساً بعناية بحيث يكون محدودَ الكلفة البشرية والمادية، ومضمونَ النتائج، وسريعاً في ما يستغرقه من وقت لإنجاز المهام الموكلة إليه، وأن يكون، وكلما كان ذلك ممكناً، في إطار عملٍ جماعي لعددٍ كبير من الدول متشابهة الفكر والمصالح عالمياً أو إقليمياً، وبالتالي متوافقة مع الموقف الأميركي بشأن مثل هذا التدخل بحسب ظروف كل حالة، وأخيراً أن يكون، مرة أخرى كلما كان ذلك ممكناً، في سياق عمل جماعي يحظى بدعم أو مباركة، أو على أقل تقدير عدم معارضة، المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة.
وبالفعل حدثت تدخلات أميركية متوافقة مع المعايير المذكورة سابقاً في كل من غرينادا وبنما في عقد الثمانينات من القرن العشرين، أي في دولتين تقعان في ما تعتبره الولايات المتحدة الأميركية تاريخياً فناءها الخلفي. إلا أن هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في كل من نيويورك وواشنطن جاءت لتدخل بدورها تعديلات على ما تقدم بدرجة أو بأخرى، وتعطي المبرر لمن كان يدعو داخل الولايات المتحدة لما يسمّى «التحرر من عقدة فيتنام»، وبالتالي مثلت تلك الاعتداءات المبرر لاتخاذ قرارات غزو كل من أفغانستان في 2001 والعراق في 2003 تحت شعار «الحرب على الإرهاب»، وهو شعار مستمر معنا حتى الآن، ولو بأشكال مختلفة، رغم أن تواجد القوات الأميركية البرية على الأرض تقلص كثيراً منذ إعلان الرئيس الأميركي «باراك أوباما»، خلال فترة رئاسته الأولى، عن سحب القوات الأميركية من البلدين. إلا أنه بعد ما حدث في أفغانستان والعراق سمعنا أصواتاً كثيرة تعلو من جديد داخل الولايات المتحدة تعيد إلى الذاكرة تجربة فيتنام وتحذر من أي تدخل عسكري أميركي خارجي، أو على الأقل من أي تدخل عسكري بري، في المستقبل.
وعلي الصعيد الأميركي أيضاً، تعلمت الولايات المتحدة على مدار السنين كيفية التعامل مع دول مغايرة لها في توجهاتها الأيديولوجية ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وإذا كان الاتحاد السوفياتي السابق هو التجربة الأولى لواشنطن في هذا المضمار، وكوبا هي التجربة الأخيرة، حتى الآن على الأقل، فإن تجربة التطبيع مع فيتنام كانت لها دلالاتها الخاصة بسبب أن حرباً دارت لسنوات بين الطرفين وراح ضحيتها مئات الآلاف. ولكن الجانبين نجحا سوياً في تجاوز الحاجز النفسي، وباتت هناك مصالح اقتصادية مشتركة وتعاون تكنولوجي وعلمي في مجالات عديدة وكذلك تبادل ثقافي وفني ومجتمعي قائم على المنفعة المشتركة.
وأخيراً، وليس آخراً، واتصالاً بالعنصر السابق، فإن حرب فيتنام أكدت مجدداً، أن من المستحيل على المدى البعيد، أن تفرض دولة، حتى ولو كانت قوة عظمى، خياراتها على شعب دولة من الدول الصغيرة أو المتوسطة، وأن على كل دولة، حتى الدول العظمى والكبرى، أن تتعامل مع الدول الأخرى على أسس المساواة في السيادة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بخاصة أشكال التدخل العسكري المختلفة، بغرض فرض نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو قانوني على دولة أخرى، لأن ذلك المسعى، حتى ولو نجح لبعض الوقت، مآله إلى الفشل والأثر التخريبي على كل الأطراف وعلى المجتمع الدولي ككل.

التعليقات معطلة