Pdf copy 1

اسكندر حبش 
منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت رحلة الشاعر العراقي زعيم نصار بالكتابة، وعلى الرغم من مرور كل هذه السنوات الطويلة، لم ينشر مجموعة إلا منذ فترة قصيرة. ربما وصوله لسن الخمسين، جعلة يفكر بهذا الأمر وهو الذي ينوي الآن إصدار كتبه تباعاً، مثلما يصدر كتب الآخرين في دار «الروسم» التي أنشأها منذ سنوات. مؤخرا كان في بيروت، حيث هذا اللقاء.
• بدأت الكتابة في ثمانينيات القرن الماضي ونشرت في بعض الصحف والمجلات، لكنك لم تصدر مجموعة إلا مؤخراً. لِمَ هذه الفترة الطويلة؟ كيف تفسرها؟
ـ كتبت الشعر في نهاية العقد السبعيني وكان عمري آنذاك 17 سنة. في هذه السنوات أيضاً بدأت حملة الاعتقالات وملاحقة الشيوعيين ومطاردتهم. حينها اعتقل شقيقي الأكبر، تعرضت عائلتي للاضطهاد والضغط النفسي، فاتخذت موقفاً معارضاً ومضاداً لكل مظاهر الاندراج أو التقرب من صحف ومجلات ومؤسسات النظام آنذاك، ولم أنشر حينها إلا نصوصاً في مجلات عربية كاليوم السابع في فرنسا وكلمات في البحرين والناقد في لندن، وحين بدأت اتعرف إلى القصيدة وجمالياتها وتقنياتها أصبحت أكثر تمهلا، قرأت رواد قصيدة النصر العربية كلهم تقريباً فأدركت أن كتابة القصيدة ليس أمراً سهلا وبسيطاً. طرحت سؤالا على نفسي، ماذا أكتب، ماذا أقدم أمام تجارب شعرية عربية وأمام تجارب الشعراء الفرنسيين الذين تأثرت بهم.. امتزج الموقفان في ذاتي وعقلي، الموقف المعارض للنظام والنشر في صحافته وموقفي من قصائدي حتى تحولت الكتابة بين يدي إلى متعة شخصية وهمّ فردي، فكرت كثيراً حتى أستطيع أن أكتب قصيدتي الشخصية التي لا تشبه قصائد الشعراء الذين سبقوني فتراكم العدد، عدد مجاميعي الشعرية. احترت كيف أطبع وماذا أطبع، ترددت ولكن أنوي طباعة كتابي الأول، انسحبت إلى الخفاء والتخفي والهروب من الظهور لإحساسي العميق بعظمة الشعر وجماله.
•ولكن قررت في النهاية أن تنشر ديوانك الأول، كيف تشرح هذا القرار؟
ـ أصبح عمري الآن أكثر من خمسين سنة، وفي أدراجي 12 كتابـــاً شعريـــاً، وأعتقد أن كتبي الأخيرة والتي لم تنشر حتى هذه اللحظة قد حققت فيها بعض ما أحلم به، أقولها بتعـــرف فني وجمالي أن كـــتبي «هـــمايون» 2012 وكتـــاب الغربـــاء 2013 وكتاب في مفترق الطرق 2014 هي كتب مختلفة عما يكتب الآن في فضاء قصيدة النثر العربية، لذا قررت أن أطبع ابتداءً كتابي الأول «الحياة في غلطتها» المكتوب بين 1986 و1991 ولشـــعوري أنني تأخرت كثيرا ولم يبق عندي الوقت الكافي لتقـــديم كتبي التي تحاول أن تعيش حياتها بعيداً عني.
القراءة
• قبل أن نتحدث عن الاختلاف في كتبك التي تصدر لاحقاً.. تبدو جملتك في كتابك الأول هذا، مختلفة عن قسم كبير من الشعر العراقي، وكأنك تأتي من أمكنة أخرى للقصيدة غير تلك التي اعتدنا عليها في هذا الشعر؟
ـ أقولها بصدق وتواضع: قصيدتي هي نتاج لقراءات عميقة وطويلة للشعر الفرنسي واللبناني وعلى تخوم كتابية صوفية وسريالية، تخوم مفتوحة على العدم والمجهول.
•كأنك تقول إنك كتبت لأنك قرأت؟
ـ لا يمكن لي أن اكتب نصاً مختلفاً، أو كتاباً شخصياً، لو لم أقرأ بشكل مختلف وعميق، طبعاً لكل شاعر أو كاتب بمرجعياته الثقافية والشعرية وكتبه المنتقاة بدقة للقراءة، حسب مزاجه وتكوينه المعرفي، أقرأ كل ما تقع عليه يداي ولكنني أتفاعل وأشتغل مع شعراء هم آباء لي، شعراء أسلاف، بوصفي شاعراً لاحقاً علي أن أهضم التجارب الشعرية التي أعتقد أنها تفتح لي أفقاً جديداً، وكما عبَّر عن ذلك بول فاليري «الأسد هو مجموعة الخراف المهضومة جيدا». أيضا مع قراءة الشعر والرواية والكتب العظيمة، أنا أقرأ محيطي ومكاني، أقرأ حياتي وتجاربي الشخصية وأدون المهيمنات التي تمس عقلي وقلبي، فمثلا عندي كتاب شعري هو عن حياتي في الأهواز، تلك السنوات القاسية من العزلة والتوحد، كتبتها كما عشت في الليالي البيض والسود والحكايات الغريبة التي حدثت آنذاك.
•إزاء ذلك، كيف تولد القصيدة أمام كل هذه القراءات؟
ـ تولد القصيدة في لحظة أكون فيها ناسياً كل شيء تحت تأثير الموسيقى وغياب الذاكرة، حينما أكتب لا أتذكر إلا المكان الذي غبت بين طياته، لا أتذكر إلا الزمن المكتوب في لحظة ولادة القصيدة، أكون بين عدمين بينها لحظة زمنية عمودية شاهقة، وكأنني وحدي أحاول أن أصل لذروة الاندماج مع كلامي ولغتي، بعدها أصحو أمام قصيدتي وأبدأ التنقيح والحذف والتعديل وربما أعيد كتابتها مرة أخرى لكي تستجيب وتتطابق مع أحلامي.
•قلت إنك عشت في الأهواز لفترة، أي غادرت المكان الأول.. هل لعب اختلاف المكان أي دور في الكتابة؟ هل أثر بقصيدتك؟
ـ في البداية من الممكن أن أقول إنني لم أستطع كتابة قصيدتي من دون أن استحضر المكان الذي عشنا فيه تجربة القصيدة نفسها، لكل قصيدة من قصائدي مكانها الجغرافي المعروف، كتبت أيامي في الأهواز وفي المدينة التي سقط رأسها في قلبي، مدينة الناصرية جنوب العراق.
وحينما هربت من مكاني الأول إلى ألأهواز ثم قم وطهران رأيت مدناً جديدة، تشكلت في مخيلتي بصورة أخرى، لقد أثرت المدن على قصيدتي، من هواياتي التي أحبها وهي زيارة المدن فإما أعشقها أو أغادرها من دون رجعة، أعتقد أن للكلمات سلطة على روحي، الأمكنة أكثر حقيقة من كل شيء آخر، المكان هو الأرض التي ننشر فيها بذور مستقبلنا والقصيدة هي التي تبقى أو تديم حياتنا للأحفاد القادمين.
العودة
• وكيف كانت العودة إلى العراق؟ هل جاءت كاستعادة للمكان الأول أم حملت إليها معك مكانك الجديد؟
ـ بعد سقوط النظام في العراق وفي يوم 9 نيسان 2003، رجعت إلى بغداد، واستعدت ذاكرتي ويومياتي وأمكنتي التي كتبتها وكتبتني، عدت ومخيلتي أوسع أفقاً، واندمجت في قصيدتي الأمكنة، أصبحت قصيدتي أجمل، تختلط فيها تفاصيل ولحظات من مدن أخرى، الآن أصبح المكان الأقرب إلى نفسي هو المكان الذي أجد فيه ناساً يشبهون قلبي، فأقترب نحوهم أكثر في الواقع وفي القصيدة.
• وكيف ترى العراق اليوم؟ سياسياً وشعرياً؟
ـ دائماً اؤكد أن دوري في الحياة، هو دور جمالي وإنساني، أسعى إلى تفعيل ثقافة المحبة والسلام والتعايش والاندماج، وأشير إلى كل ما هو جميل ومحب. لذلك أرى العراق الآن بعينين تنتظران الأجمل، على الرغم من الوضع السياسي المتهور ومحاولات الحكومة الحالية لبناء ما يتم هدمه، وبوجود النيات والأعمال التي تحاول استعادة بناء الدولة، وطرد الدواعش، أجد بلادي أكثر تماسكاً، وأنها نحو طريق فيها مصابيح للأمل. العراق بلد لا يمكن أن يفنى، العراق كلما حاصره الغرباء ينتفض ويولد من جديد. كأنه طائر العنقاء يولد من الرماد. أعتقد أن بغداد تستعيد الآن جمالها، نجد فيها مشاهد ثقافية متميزة، نجد سينما بدأت تؤسس، وروايات تنتشر حتى أكاد أن أقول إنه زمن سرد العراقي، هنا أيضا جيل شعري جديد لديه الإمكانيات والطاقات اللافتة، جيل التغيير الشعري الذي ظهر بعد 2003 جيل يحاول أن يقدم قصيدة جديدة. أعتقد أيضا أن المشهد الشعري وحسب الكتب المطبوعة لشعراء عراقيين في السنوات الأخيرة أن الشعر والثقافة في العراق سوف يقدمان ما يسرّ الأصدقاء في كل مكان.
•أسست دار «الروسم» العام 2013 لكنك تطمح إلى أن تكون أكثر من ذلك؟
ـ ليست الروسم دار نشر وتوزيع، بل هي بيت ثقافي، فضاء لصناعة بيئة ثقافية لما نطبع ونقدم. حينما بدأت في تأسيسها كان طموحي أن أوزع الكتاب العراقي بطريقة تليق به، وقد حصل ذلك بجهود أصدقاء لي في كل مكان أكون فيه، إلا أن الروسم طبعت كتابها الخمسين في تسلسل مطبوعاتها وبتوزيع عربي من بيروت، وبغداد وقد أقمنا ندوات واستعادات ثقافية نالت استحسان المهتمين.
مؤخراً صار لنا عمل مشترك مع دار المؤلف في بيروت ونحن سعداء بذلك، أصدقائي الذين معي في الروسم يقدمون ما يجعل الدار علامة جديدة ومختلفة في لحظتنا الراهنة. الروسم عبرت مرحلتها الأولى، ودخلت في مرحلة ثانية مفتوحة على طموحات ثقافية عربية ولدينا خطة جديدة في طباعة لأسماء عربية وعراقية مهمة وإقامة أنشطة من شأنها أن تسهم في تحريك عجلة الثقافة في الوطن العربي.

التعليقات معطلة