Pdf copy 1

علي حسن الفواز
يبدو أن اميركا لن تحارب في منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى بشكل مباشر، لكنها ستجد من يفتح نيابة عنها حروبا برعايتها، وتحت رقابتها اللوجستية، وبدعم مدفوع الثمن طبعا.
هذه الحروب المؤجرة تفتح جبهاتها دول وجماعات إقليمية لها أجنداتها وحساباتها، ولها أوهامها في السيطرة على ما يسمى بالدور المحوري في المنطقة، وبتوجيه مباشر من المؤسسة العسكرية والمخابراتية الأميركية، وعلى وفق سياق (عقود الخدمة) لتنفيذ مآرب في الرقابة والسيطرة، وهو ما يعني إبقاء أسواق السلاح الأميركية مفتوحة لقبائل (داحس والغبراء) الملتاثة بعقدة الثأر وعُصاب الهيمنة، إذ تستهلك هذه القبائل الدولتية من السلاح اكثر مما تستهلكه من سندويشات الهمبركر الاميركي أيضا.
ما يحدث في اليمن وفي سوريا والعراق وليبيا وحتى في لبنان يؤكد فكرة هذه الحروب المؤجرة، وطبيعة الجغرافيا السياسية والأمنية التي تتشكل ملامحها في المنطقة وحدود مرجعياتها، والتي ستضع السياسة الأميركية أمام رهانات مواجهة تداعياتها، تلك التي تعني حماية الأمن الإقليمي لإسرائيل إزاء تهديدات محتملة من جانب، وحماية ممرات النفط والمصالح الأميركية من جانب آخر، لكن الوقائع التي تحدث على الأرض تعكس معطيات أكثر خطورة.
 إذ تكشف عن قلق أميركي حقيقي من خروج الأمر عن السيطرة، مثلما تكشف عن تردد أميركي واضح في ترسيم خطوات حقيقية وعملياتية للأمن الإقليمي وفي تكريس مظاهر للسلم الأهلي فيها، فضلا عن عجزها في الحدّ من تضخم ظواهر الجماعات الإرهابية من دواعش وغيرهم.
الدور الأميركي السياسي في المنطقة محسوب بخطوات ما يؤدي الى الخنادق، وبطبيعة القوى التي تخدم حسابات هذه الخنادق، فالحدث اليمني – مثلا –  يكشف عن عري السياسات الاميركية أمام مصالحها مع دول الخليج التي تشن عدوانا سافرا ومناقضا لكل قوانين الشرعية الدولية وقيم المجتمع الدولي، وأمام حساسيتها إزاء دور إيراني مفترض في  المنطقة. 
ما يحدث يعني ارتباك الدور الاميركي في فرض نظرية القوة على الجميع، ومنع أي خرق حقيقي للأمن الإقليمي. ولعله، وضمن حسابات ضيقة يؤكد هوية الخندق الامني الأميركي وتمترساته، تلك التي تقوم على أساس تطويق إيران امنيا، وقطع الطريق على أي امتداد لها في مناطق دول باب المندب.
لا يمكن تفسير الحروب الإقليمية إلاّ على وفق جردة حساب الحقل والبيدر، والذي يعني تحويل المنطقة الى سوق للسلع القاتلة، وإلى ما يشبه الأرض المحروقة، والى أسواق مفتوحة لكل أنواع الاستهلاك العسكري، والخدمات التكميلية التي ستقايض بها الشركات الاميركية دولا عاجزة عن حماية نفسها، مثلما هي جزء من سياسة تقويضية تقوم على تفكيك دول مركزية، ومكونات مركزية، وإحداث خلخلة في التوازنات الدولية، وحتى إدخالها في المزيد من الحروب المؤجرة لاستنزاف  وإنهاك اقتصادياتها وسياساتها وإخضاعها لمهيمنات القوة، إذ إن لعبة هذه الحروب ستؤدي بالنتيجة الى تحويل الدول المتورطة فيها الى دول تعاني من المديونية كما حدث في العراق خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، تلك الحرب التي صممت لإنهاك عسكرة صدام، وتحويل العراق من بلد ذي وفرة اقتصادية عالية الى بلد منهك بمديوناته وخسائره المادية والرمزية.
حروب السلاح هي العنوان الأكبر في المرحلة المقبلة، إذ إن تفكك المؤسسات العسكرية في دول المنطقة يدفع الى هيكلتها، والى إعادة تشكيلها وتسليحها وإخضاعها لمنافسة أسواق الأسلحة، والى تغيير أنماطها وعقائدها العسكرية، مثلما سيدفع باتجاه إخضاعها الى خنادق أخرى لصراع دولي اكثر عمومية، وأكثر توحشا حول هذه الأسواق بوصفها خنادق مفتوحة للمزيد من العسكرة، والمزيد من الصراعات التي تؤججها اميركا تحت واجهات شتى، لا سيما وان أغلب الاقتصاديات الاوروبية تعيش ازمات اقتصادية كبرى، وتبحث عن أسواق رخوة لتسويق بضاعاتها الكاسدة اليها.
دخول المحور الخليجي في لعبة الحرب ليس استعراضا لقوة دوله التي لا تملك قاعدة بشرية للحروب التقليدية، بل هو نوع من لعبة تفريغ مخازن الأسلحة التي كدستها تلك الدول خلال السنوات الماضية، والعمل على تجهيزها بأسلحة جديدة متطورة وعلى وفق عقود تسليح بأقيام كبيرة جدا، ولعل آخرها صفقة شراء الطائرات الفرنسية لصالح دولة قطر.. كما أن اجتماع (كامب ديفيد) الأخير بين الرئيس الاميركي اوباما وقادة دول الخليج يضع جغرافيا المنطقة أمام اصطفافات جديدة، وربما أمام حروب جديدة، تلك التي تعني المزيد من الأسلحة، والمزيد من أوهام الاطمئنان، والتي قد لا تنفع كثيرا فيما لو خرجت موازين الصراع والحرب المحدودة عن السيطرة، وبات التهديد يضع دولا كبرى مثل روسيا والصين أمام أخطار ستراتيجية.
وهو ما يعني إمكانية دخولها المباشر على الخط، والخروج عن لعبة توازنات (الحرب الباردة) التي لم تزل حاكمة لبعض مفاصل الصراع، لا سيما مع اصطناع أميركا للحرب الأوكرانية كمصد لإشغال روسيا عن أي دور ستراتيجي في المنطقة ودفعها للغوص في متاهات صراعات في أقاليمها القديمة.
إن تضخيم الحديث عن الخطر الإيراني في المنطقة هو تعمية الحديث عن أخطار اكثر رعبا. وحرب اليمن التي تجري بالتأجير من قبل السعودية وبعض الدول المتحالفة معها تؤكد هذه الحقيقة، فهذه الحرب غير العقلانية تجري بنوايا تدميرية.
 وبهدف تغيير لوجستي في المنطقة، وفي ممراتها المائية والأمنية، وربما هناك هدف آخر لجرّ إيران لحرب إقليمية تعيد ترتيب الأوراق في المنطقة، وإفشال الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الست، وهو ما قد يضع أميركا أمام حسابات قد تضر كثيرا بمصالحها في المنطقة، وفي فتح الباب على حروب مرعبة ذات طابع ديني وطائفي ومناطقي خطير جدا.
نزعة التأجير الأميركي لحروبها ومحاربيها هو أخطر التمظهرات التي تعيشها المنطقة، وكذلك هي الأفق الغائم الذي سيضع الجميع أمام العتمة، وأمام تعطيل أية فرصة لإحداث تحولات حضارية وتنموية في المنطقة التي يحمل سجل دولها أكثر التجاوزات على حقوق الإنسان والحريات العامة، مثلما هي الثغرة الكبرى التي ستضع المنطقة أمام تدخلات دولية، وامام تشظيات داخلية من الصعب السيطرة عليها، لا سيما وان أغلب دول المنطقة تواجهها أزمات داخلية وصراعات تعيشها مكوناتها الاثنية 
والطائفية.

التعليقات معطلة