دانيال.ب. سوليفان
تصوروا الاختيار بين أن تضعوا مصيركم بأيدي مهربي بشر مجرمين أو البقاء حيث أنتم لتواجهوا أكبر خطر إبادة في العالم. هذا هو الاختيار الذي يواجهه اليوم مئات آلاف الناس من أقلية الروهينجيا في غرب بورما.
وقد عاينت حديثاً حقيقة محنتهم بنفسي في ملجأ لاجئين مزدحم في ماليزيا، حيث يقدر أن 100 ألف من الروهينجيا فروا الآن إلى هذا البلد. وكل منهم لديه قصة مختلفة قليلاً، ولكن الروايات التالية نموذجية:
ترهيب وفقر
سليم (30 سنة)، تاجر أسماك وخضار في غرب بورما، معتقل لدى السلطات، وتعرض للضرب ، ليس بسبب أي جريمة، وانما لأنه اختار أن يحدد هويته كشخص من جماعة الروهينجيا خلال الاحصاء السكاني عام 2014. وتنكر حكومة بورما وجود الروهينجيا، وتصفهم بأنهم «بنغاليون» من بنغلادش المجاورة دخلوا البلاد بصورة غير شرعية برغم واقع أن العديد من الروهينجيا ترجع أصولهم الى أجيال عدة في بورما ذاتها. وأعطت السلطات المحلية سليم الاختيار بين أمرين: إما ان يدفع مالاً مقابل السماح له بمغادرة البلد، وإما أن يواجه خطر الموت.وقد فر نحو 150 ألفاً من الروهينجيا من غرب بورما منذ تفجر مصادمات عنيفة عام 2012 بين الروهينجيا والسكان المحليين البوذيين المعروفين باسم جماعة الراخين. وأرغمت الحكومة الروهينجيا الفارين على العيش في مخيمات نازحين وصفت بأنها «سجون في العراء».وانتشرت عبر هذه المخيمات روايات عن آفاق حياة أفضل في ماليزيا، ما شجع بيبي خديجة على التحدث الى «وكيل» معروف في مخيمها. وهناك وكيل في كل مخيم مستعد لتقديم العون مقابل ثمن، يبلغ عادة ما يعادل 100 الى 200 دولار.
مخاطرة عبر البحر
على مقربة من مدينة سيتوي، يقل زورق صغير بيبي خديجة وزوجها وطفليهما الصغيرين إلى مركب أكبر يزدحم على متنه نحو 200 من الروهينجيا. وهناك الكثير من سفن أكبر من المركب بكثير، وهي تقل أكثر من 1000 مسافر. وتعج هذه السفن بمهربي بشر مسلحين يحرمون المسافرين من كميات كافية من الطعام والماء. وتستغرق الرحلة عادة سبعة إلى عشرة أيام، ولكن مدة الرحلة يمكن أن تتفاوت كثيراً.وبقيت بيبي خديجة وعائلتها في البحر طوال 33 يوماً. وخلال تلك الرحلة، مات خمسة أشخاص جوعاً.
جحيم في الأدغال
وصلت بيبي خديجة وعائلتها إلى تايلاند، وأرغموا على المشي طوال يومين وليلتين إلى عمق غابة. وبقوا هناك في مخيم للمهربين مع نازحين آخرين لمدة أكثر من ثلاثة أشهر. وفي تايلاند، هناك آلاف من الروهينجيا في عشرات من المخيمات التي وصفها تقرير لوكالة «رويترز» فاز بجائزة «بوليتزر» للصحافة قبل بضع سنوات بأنها «معسكرات أشغال شاقة استوائية». ولدى وصول النازحين، يتم فصل النساء والأطفال عن الرجال.
ويكتشف الرجال أن المال الذي دفعوه في بداية الرحلة لا يغطي الاقامة في هذه المعسكرات. ثم يتعرضون للضرب يومياً إلى أن يتمكنوا من الاتصال بأقرباء يساعدونهم على دفع ما يتراوح بين ألف وألفي دولار مقابل حريتهم. وإذا لم يصل المال في غضون ستة أو سبعة أشهر، يتعرضون للضرب والطرد، أو يباعون كعمال سخرة إلى ملاك مزارع مطاط.
ووصف سليم كيف عاش مع نحو 800 شخص في أكواخ من صفائح بلاستيكية راشحة، وكيف عاشوا على حصص يومية مكونة فقط من مقدار قليل من الأرز. وبعد أشهر عدة، تمكن من الاتصال بأقرباء دفعوا مالاً من أجل اطلاق سراحه.وبالنسبة للنساء، الأمر في كثير من الحالات أسوأ بكثير. وروى سليم مأساة امرأة حسناء كانت ضمن مجموعته من النازحين وبيعت إلى تجار دعارة. وكثيرون من اللاجئين الروهينجيا يقعون ضحايا تجارة الجنس.
المنفى
في ماليزيا، وجد سليم شبكة دعم شكلها منفيون آخرون من الروهينجيا، ولكنه كان يواجه يومياً خطر الاعتقال بحجة أنه مهاجر غير شرعي، أو خطر الاستغلال من قبل سلطات فاسدة تطلب رشى.
وقالت متحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن المفوضية «تتلقى بانتظام تقارير عن امتهان، وترهيب، واستغلال لاجئين روهينجيا».
أناس محظوظون
الناس الذين التقيتهم في ماليزيا هم المحظوظون، إما لأن لديهم عائلات تمكنت من دفع مال لقاء حريتهم، وإما لأن الحظ أسعفهم وتمكنوا من الهرب أثناء عملية مداهمة للشرطة دفعت المهربين إلى الفرار. وتوجد في ماليزيا شبكة دعم، وكذلك حكومة ربما لا ترحب بهم، ولكنها لا تحاول استئصالهم.
وكما قال لي عامل اغاثة يساعد الروهينجيا، هناك الكثير الذي يجب عمله لمساعدة الروهينجيا الموجودين في ماليزيا، ولكن الحل الحقيقي لهذه الأزمة لا بد أن يكون في بورما. وعلى حكومة بورما أن تعترف بالروهينجيا كأناس لهم حقوق، وأن تحاسب كل من يضطهدهم.
وبينما كنت أتأمل في قصص مختلف هذه العائلات، كنت اسأل كلاً منها سؤالاً أخيراً : نظراً إلى الأهوال التي مروا بها من الغرق إلى الضرب فالاغتصاب، هل سيوصون الروهينجيا الذين لا يزالون في بورما بأن يخاطروا بهذه الرحلة عبر البحر؟ ومن دون تردد، جميعهم كانوا يجيبون بنعم.

