د أنور غني الموسوي
لقد قدمت الاسلوبية (Stylistics ) مجموعة من المفاهيم و التصورات الجيدة و المتقدمة في الفهم العام للغة و للظاهرة الادبية ، الا ان تلك التصورات طرحت ضمن انظمة و بناءات تشتمل على كثير من التناقضات النظرية و الاجرائية ، مما يؤشر على علامات قصور سواء كمنهج نقدي مستقل او كأداة للنقد الادبي .
لقد رفع الاسلوبين شعار محاولة فهم الظاهرة الادبية ، و لماذا كون النص الادبي فنيا و مؤثرا ؟ الا انهم اوغلوا في لغوية و نصية الظاهرة الادبية كما هو معلوم ، حتى ان جوهر الاسلوبية التحليلية عند شارل بالي متقومة بفهم التأثير العاطفي للوحدات اللغوية . لكن هناك امر مهم في امكانية الجواب عن هذا السؤال الجوهري ، وهو ان الاستجابة الشعورية للنص و اللغة و المفردات ليست فقط ناتجة بفعل تلك الوحدات ، و انما للقراءة و القارئ دور فاعل و تأثير مهم في تحققها و درجتها ، وهذا من اوضح الواضحات ، و ان اهمال هذا الجانب خطأ فضيع و قاتل وقعت فيه الأسلوبية . ان النص في حقيقته لا يكون نصا كاملا الا بالقراءة ، و ان عملية القراءة تتصف بالابداع و التعبير كما هو التأليف و النص . من هنا فاجابة الاسلوبية عن هذا السؤال المهم و الجوهري لا يمكن ان تكون كاملة لاهمالها القارئ و عملية انتاج النص اثناء القراءة .من اشكاليات الاسلوبية ، معاناة مفاهيم مهمة ركنية و اساسية في نظريتها و اجراءاتها من التناقض او الاصطدام بمعارف لغوية و ادبية واضحة . وهنا سنتناول ثلاثة مفاهيم جوهرية في الاسلوبية نظريا و اجرائيا و مدى تناقضها مع بعضها و اصطدامها بحقائق لغوية و ادبية .ان مفهوم ( الاختيار ) جوهري اسلوبيا ، وهو مميز للاسلوب بل مقوم للفردية عند الاسلوبيين كما هو ظاهر ، لكن هذا الفهم يصطدم بامر داخلي تقره الاسلوبية و اخر خارجي ، فالتناقض حاصل مع مفهوم ( التركيب الغيابي للكلمات ) ، و الذي هو في جوهره و نهايته شكل من اشكال الانثيال ،الذي تتجلى فيه اللغة ،و هو مظهر من مظاهر طغيان المعارف اللغوية العامة المكتسبة لدى المؤلف ، و التي تسلبه الارادة في بعض الاحيان ، حتى ان الرمزيين قد تحدثوا عن لغة الهذيان . ان قاهرية الاثيال و خروجه ولو لفترة زمنية بسيطة عن اختيار المؤلف مخالف قطعا لفهوم الاختيار الذي يعتمده الاسلوبيون .
هذا وان مفهوم الاختيار يتناقض مع مفهوم التناص ، اذ لا ريب ان هذا التناص في جوهره يمثل وجها من اللاوعي المتجسد في الكتابة . و من هنا فان مفهوم الاختيار يعاني حرجا ، و يظهر بوضوح الخلط بين الوعي و الاختيار ، و ليس كل ما يكون بوعي هو باختيار فعل ، بل ان دوام الاختيار شيء غير معقول في الفعل الانساني عموما و ليس الادب فقط .المفهوم الاخر الذي يعاني من التناقض مع ما هو من الاسلوبية و مصطدم مع ما هو من خارجها هو ( التركيب ) بالفهم الاسلوبي . فتقسيم التركيب الى حضوري و غيابي لا ينتهي الى حقيقة واقعية ، اذ ان ترتيب المفردات في النص تتحكم فيه غايات مختلفة لغوية و نصية و تأليفية ، و ما عدا الاخير فانها تصطدم بالاختيار ، كما ان التناغم الذي يفرضه النص و ما تتطلبه التجاورات اللغوية بذاتها و نظام الانثيال يجعل تفسير ظاهرة الانزياح كعمل جمالي غير مستساغ ، بل ان المفروض ان متطلبات النص و اللغة بالاصوات و نحوها من تناغمات يكون خرقها و مخالفتها مخالفة للذائقة ،و مجرد فعل لا جمالي و ان كان تعبيريا او صادما ، بمعنى اخر ان فهم التركيب بهذه الصورة يضعف التفسير الجمالي للانزياح ، و ان ابقاه كفعل تعبيري ، كما انه يصور الاختيار كفعل اعتباطي تجريبي تجرؤي لا جمالي .هذا من جهة و الجهة الاخرى ، تصادم هذا الفهم للتركيب مع حقيقة تأثر تأثيرية التركيب بالمتلقي ، فلا استقلالية حقيقية لا جماليا و لا تعبيريا للتركيب ، و اهمال عميق لمتطلبات التداولية في الكلام ، اذ لا تجد لها مكانا مع هكذا نظام مغلق على النص و مؤلفه .
و اما المفهوم الثالث فهو ( الانزياح ) ، و الذي ربما عد احيانا المظهر الابرز للاسلوب الفني ، وهذا شيء لا يمكن الاقرار به و لن يستمر طويلا الدفاع عنه ، فالانزياح اداة واحدة من ادوات الابداع ، و ليس بالضرورة ان يكون الفعل الادبي انزياحيا بل ان الاستعمال المتناغم و المتوافق مع القواعد العامة يمكن ان يكون احيانا محققا للفنية و الادبية و التأثير الجمالي ، الذي يريد الاسلوبيون الاجابة عنه .من هنا يكون ظاهرا العجز الخطير الذي يعاني منه النقد الاسلوبي في تفسير الظاهرة الادبية ، وسط هذه التناقضات الظاهرة ، و الخلط بين مستويات المادة و الاداة الادبية ، اذ من الظاهر ان تلك المفاهيم مختلفة المستويات ، مما يؤشر الى ضيق افق النظرة الاسلوبية للادب ، اذ من المعلوم ان الظاهرة الادبية اوسع بكثير من تلك التصورات و لها مستويات متعددة وجهات مختلفة في اللغة و النص و المؤلف و القارئ و الاستجابة الجمالية ، كلها تستقل احيانا و تتداخل احيانا في نظام تعبيري عام يتطلب نقدا يتسع لتلك الجهات التعبيرية . و ان الذي اشار الى قصور مناهج البلاغة المعروفة كمنهج نقدي ، هو ذاته الذي يؤسر اخفاق الاسلوبية نقديا .
ان امكانية تحقيق الاسلوبية اضافة جوهرية للنقد امر بعيد جدا بل غير متيسر . و بشكل عام فان تحقيق الاسلوبية لخطوة متقدمة استقلالية عن المنهج اللساني العام ، يعطيها احقية الاستقلال كعلم مقابل السيمائية العامة ليس واضحا ، كما انها باستثناء اعتمادها على ما قدمه علم العلامات لا تحقق تطورا جوهريا عن البلاغة المعروفة .

