حازم مبيضين
رغم أن حزب العدالة والتنمية تصدر نتائج الانتخابات التشريعية في تركيا، فإن عديد نوابه لن يمنحه الفرصة لإجراء تعديلات دستورية تنقل صلاحيات رئيس الوزراء إلى رئيس الجمهورية، أي رجب طيب أردوغان على وجه التحديد، فيما تميزت هذه الانتخابات بدخول الكرد للبرلمان كحزب يحمل اسم “الشعوب الديمقراطية” بعدما اعتادوا الدخول كمستقلين، أو أعضاء في أحزاب أخرى.
تقول النتائج إن حزب الرئيس حصل على 259 مقعدا من أصل 550 أي ما يعادل 41 بالمئة من الأصوات، والشعب الجمهوري حوالي 25 والحركة القومية 16 وتجاوزت نسبة حزب الشعوب الديمقراطية 12 بالمئة بمعنى أنه سيكون لديه 82 نائباً يقلبون الموازين ويغيرون قواعد اللعبة، فقد كان أردوغان يسعى للفوز بأغلبية تعزز صلاحياته، باعتبار ذلك ضرورة لتعزيز النفوذ الإقليمي والنجاحات الاقتصادية، معتبراً أن هذه الانتخابات اختيار بين “تركيا الجديدة” والعودة إلى تاريخ اتسم بحكومات ائتلافية قصيرة الأجل، وعدم الاستقرار الاقتصادي والانقلابات العسكرية.
“العدالة والتنمية” مضطر لتشكيل حكومة ائتلاف، ينتظر أن يكون شريكه فيها حزب “الحركة القومية”، الذي بدأ مناوراته بالإعلان بأن من السابق لأوانه القول ما اذا كان سيبحث المشاركة في حكومة ائتلافية. وأدى تحول صغير في الأصوات إلى نتائج تحد من طموحات أردوغان السلطوية، فهو لم يعد قادراً على تحويل البلاد إلى النظام الرئاسي، وحزبه مجبر على ائتلاف مع أعداء سياساته، والحكومة الائتلافية ستمكن السلطة التنفيذية من أداء دور على حساب الرئاسة بعد فقدان أردوغان حظوظ التحول إلى رئيس تنفيذي، ومن البديهي أن الكرد غامروا حين قرروا تقديم مرشحيهم كأعضاء في حزب واحد، ورغم خطورة هذه الستراتيجية الانتخابية الا انها أسفرت عن نجاح باهر، ولو كانوا خسروا لكانت فرص أردوغان مطلقة في تغيير النظام السياسي، فلم يكن حزبه يحتاج لغير تحقيق نتائج أفضل قليلاً من تلك التي أشارت إليها استطلاعات الرأي للحفاظ على هيمنته السياسية.
توسم الكثيرون خيراً في “العدالة والتنمية” باعتباره نموذجاً يُحتذى، حزب إسلامي جاء إلى الحكم على أنقاض حكومات عسكرية قمعت الحريات وضيّقت على الأحزاب وقررت أن الهوية التركية علمانية، متجاهلة القناعات الدينية للأكثرية، غير أن سياسات أردوغان المهيمنة والمتسلطة، وسعيه لاستعادة أمجاد العثمانيين، أثار حساسيات سياسية عند معارضي تلك الهيمنة، ودول المنطقة التي عانت في ظل الحكم العثماني، وقاومته حفاظاً على هويتها العربية.
كانت الانتخابات الأخيرة في تركيا معركة لتحديد الدور الذي يريد أردوغان أن يلعبه، وهو الغارق في وهج السلطة وشهواتها وإغراءاتها، والمقتنع أنه لا يمكن لتركيا أن تعيش وتتقدم إذا لم يكن هو في مقعد القيادة، لا يشاركه ولا يعارضه أحد، ومصير البلاد معلق بين يديه.
خاض”العدالة والتنمية” الانتخابات منهكاً، وهو يواجه التحديات على الصعيدين الإقليمي والمحلي، الأزمة السورية، والأوضاع في العراق، وخطر تنظيم “داعش”، فضلا عن الأزمتين اليمنية والإيرانية، ومحلياً فقدانه لسبعين من أبرز كوادره وقياداته، ممن منعهم نص اللائحة الداخلية للحزب من الترشح على قائمته هذه المرة، أو استلام حقائب وزارية بعد استنفاد المدد الثلاث، إضافة لاحتدام صراع الأجنحة داخل الحزب مع تراجع معدلات النمو الاقتصادي وانحسار الحريات الشخصية، وتعثر جهود تسوية المسألة الكردية.
تمثل نتائج الانتخابات التركية خسارة كبيرة لمشاريع أردوغان مع قطر والإخوان والسعودية، وربحا مؤكداً لمصر السيسي واﻹمارات وإيران، وتبعاً لذلك ستكون هناك تداعيات ينتظرها الإقليم، إلا إذا لجأ السلطان المهزوم إلى انتخابات مبكرة تجري خلال الأشهر الأربعة المقبلة، وهي خطوة ستقضي على أي طموح لخلافة محمد الفاتح.

