إدوارد لوس
كانت هناك إرهاصات مقلقة في الأسلوب المهين الذي تعامل به الديمقراطيون مع الرئيس باراك أوباما يوم الجمعة الماضي. ليس فقط أنه قام بزيارة نادرة إلى الكونجرس ليناشد الديمقراطيين أن يدعموا جدول أعماله الخاص بالتجارة العالمية. ولا حتى تحذيره لهم بأن التصويت ضد الأجندة قد يكون بمنزلة تصويت ضده هو شخصيا. تلك الأمور كانت سيئة بما فيه الكفاية، لكن الأسوأ منها هو أن من طعنه في الظهر هي نانسي بيلوسي – زعيمة الديمقراطيين، ودعامة كل انتصار تشريعي منذ تولي أوباما منصبه، بما في ذلك الرعاية الصحية. عندما يخونك حليفك الأقرب إليك، يكون الوقت قد حان لأن تستشهد بما قاله الملك لير (في مسرحية شكسبير) حين تعرض للخيانة من قبل أقرب الناس إليه. ربما يضطر أوباما إلى التوسل والتملق والمداهنة للخروج من هذا الوضع. الطريقة الوحيدة لاسترداد جدول أعماله المتعلق بالتجارة – ناهيك عن صدقيته – ستكون في عكس الهزيمة التي حلت الأسبوع الماضي. وقد فعل ذلك من قبل. المثال الأفضل على ذلك هو رفض الكونجرس لحزمة إنقاذ وول ستريت البالغة 700 مليار دولار (برنامج إغاثة الأصول المعتلة، تارب) في أيلول (سبتمبر) 2008. قلب الكونجرس موقفه بعد 72 ساعة. لكن جورج دبليو بوش، الرئيس آنذاك، كان يستطيع الإشارة إلى سوق الأسهم التي كانت في حالة سقوط حر. انخفض مؤشر داو جونز تقريبا ألف نقطة بعد التصويت الأول، ما يكفي لترويع المشرعين ودفعهم للتصويت بنعم في المرة الثانية. ليس لدى أوباما مثل هذه الأمور التي تحرك المواقف. انخفض مؤشر داو جونز 140 نقطة يوم الجمعة الماضي، والأمر الذي لا يعدو كونه يوما سيئا عاديا.
أوباما بحاجة ماسة إلى التوصل إلى حل ما خلال الأيام القليلة المقبلة. ذلك أن ثمن الفشل بالنسبة له – وللولايات المتحدة – مرتفع جدا. أما التكاليف فستكون ثلاثية. أولا، قد يتسبب رفض سلطة تعزيز التجارة “تي بي إيه”، أو صلاحيات التفاوض السريع، في أن تجد الولايات المتحدة نفسها من دون استراتيجية اقتصادية عالمية في عالم سريع التغير. ومن شأن الفشل أيضا أن يقتل آفاق اختتام الصفقة التجارية لمنطقة المحيط الهادئ التي يعمل عليها أوباما منذ ثلاث سنوات. وتغطي مجموعة الأعضاء الـ 12 تقريبا 40 في المائة من الاقتصاد العالمي. ومن شأنه أيضا أن يوقف التقدم الحاصل في المحادثات الموازية عبر الأطلسي التي تغطي نصف الاقتصاد العالمي تقريبا.
ثانيا، قد تسرق العنصر الأكثر أهمية الخاص بمحور الولايات المتحدة مع آسيا. إن حجة أوباما الأكبر لمصلحة الشراكة عبر الباسيفيك هي أنها سترغم الصين على الالتزام بالقواعد العالمية للتجارة والاستثمار. الصين ليست من ضمن المجموعة. ربما لم يكن من قبيل الحكمة أن أوباما يلعب ببطاقة الصين بشكل صريح ومتكرر. إن حدوث انهيار في محادثات الشراكة عبر الباسيفيك قد يعيد الحياة إلى المبادرة المنافسة الخاصة بالصين، التي لا تنتمي إليها الولايات المتحدة. في الشهر الماضي تلاشت أي شكوك حول تعامل الآخرين بجدية مع المحادثات التجارية التي تقودها الصين عندما تجاهل حلفاء أمريكا الإقليميون، بما فيهم أستراليا وكوريا الجنوبية، مقاطعة الولايات المتحدة للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي تقوده الصين. ليس هناك سبب لافتراض أن الأمر قد يتحول بشكل مختلف في مجال التجارة. معظم البلدان تفضل إلى حد كبير قيادة الولايات المتحدة على الصين، لكن في غياب أمريكا هناك بديل واحد فقط.
أخيرا، قد يتسبب موت صفقة الشراكة عبر الباسيفيك على أيدي الديمقراطيين في حرمان أوباما من الصدقية على الساحة العالمية. أكد فريق التجارة الخاص به، الذي يقوده الرجل المتمكن، مايكل فرومان، لشركاء الولايات المتحدة الباسيفيكيين أن تفعيل اتفاقية الشراكة هو نتيجة محسومة. بما أن أوباما يحظى أصلا بتأييد الجزء الأكبر من الجمهوريين، فإن المسألة كانت مجرد مسألة إقناع قلة من الديمقراطيين بدعمه. والتداعيات قد تتجاوز قطاع التجارة، إذ يواجه أوباما موعدا محددا لاختتام المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة مع إيران. وهذا العام – ورغم اعتراضات أوباما – اتخذ مجلس الشيوخ الأمريكي الخطوة غير المعتادة المتمثلة في إصدار مشروع قانون يمكنه منح المجلس 60 يوما لمراجعة محتويات أي صفقة نووية مع إيران. هناك تواز واضح للمسار سريع الوتيرة. إذ أصر أوباما على أن صفقة مع إيران لن تكون مؤهلة للحصول على صفة “معاهدة” وبالتالي لن تتطلب موافقة مجلس الشيوخ. ومن غير المرجح أن تخاطر إيران بتقديم التنازلات الضرورية، إذا كانت ترى أن الكونجرس سينسف الصفقة. ما الأسباب التي تدعو إيران إلى أن تثق بتأكيدات أوباما؟
في ظل الديمقراطية المثالية، ينبغي أن تكون أي نقطة من هذه النقاط هي النقطة الفاصلة. لكن في الواقع، يتطلع السياسيون إلى بقائهم وديمومتهم قبل التفكير في المشهد الأكبر. لذلك، يجب على أوباما التوصل إلى أمر أكثر إقناعا. الأمل الوحيد هو أن يفكر الجمهوريون في إنقاذ الموضوع دون الحاجة إلى أن يفعل أوباما أي شيء. لاحظ أن الجمهوريين يؤمنون بالتجارة الحرة، وأن صلاحيات المسار السريع سيرثها خليفة أوباما، الذي يوجد احتمال كبير لأن يكون جمهوريا. هزيمة الأسبوع الماضي كانت لحظة من النوع الذي يوصف بأنه “لا يحدث إلا في الكونجرس”، التي أقرت فيها سلطة تعزيز التجارة (بأغلبية ثمانية أصوات)، لا لشيء إلا ليتم إغراقها من خلال هزيمة جزء آخر من الصفقة. إن تفعيل هذا الجزء، الذي يقدم الدعم لإعادة تدريب العمال الذين يخسرون وظائفهم بسبب التجارة، كان لازما كي يتم إقرار كامل مشروع القانون. لكن الحزبين صوتا بكثافة ضد مشروع القانون.
إذا مر القانون بصعوبة في المحاولة الثانية، سيتم إنقاذ أوباما. لكن ذلك يتطلب من الجمهوريين أن يتجاهلوا شيئا كريها ويصوتوا لشيء لا يثقون به (هو الدعم الحكومي) من أجل إنقاذ شخص يمقتونه (هو أوباما). الأمل الآخر هو أن تغير بيلوسي وزملاؤها رأيهم بخصوص مزايا اتفاقيات التجارة، لكن هذا يبدو أمرا بعيد الاحتمال. بالتالي يجد الجمهوريون أنفسهم أمام معضلة: هل يجدر بهم أن يهزموا أوباما ويعرقلوا الولايات المتحدة؟ أم أن يعطوا أوباما نصرا من شأنه أيضا أن ينقذ صدقية أمريكا؟ إن غدا لناظره لقريب.

