ريتشارد ووترز
ليس هناك شيء جديد في محاولة استخدام تكنولوجيا عصر الإنترنت لجعل المدن في العالم تعمل بشكل أفضل. لكن ظهور “جوجل” على الساحة – بهدفها المُعلن لجعل الحياة أفضل لمليارات الأشخاص – جلب انتباها جديدا إلى مجال يقول معظم الخبراء إنه كان بطيئا في الوفاء بوعوده.
إعلان شركة البحث عبر الإنترنت الأسبوع الماضي أنها أسست قسما لتطوير “التكنولوجيا الحضرية” كان يتسم بجرأة معروفة عن “جوجل”. القسم، بقيادة جان دوكتوروف، النائب السابق لرئيس بلدية مدينة نيويورك ـ في عهد مايكل بلومبيرج، الرئيس التنفيذي لمجموعة بلومبيرج الإعلامية ـ سيعمل على أفكار تؤثر في قضايا واسعة مثل “تكاليف المعيشة، وكفاءة وسائل النقل، واستخدام الطاقة” لعديد من سكان المدن في العالم، بحسب لاري بيج، الرئيس التنفيذي لجوجل. عظمة الطموح استثارت رد فعل أصبح مألوفا مع غزوات “جوجل” المتكررة على نحو متزايد في مناطق جديدة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية. يقول أحد الخبراء في المجال – الذي يعتبر نفسه معجبا صريحا بجهود الشركة: “لا يمكنك إلا أن تشعر بأن هناك الكثير من الغرور”.
المبادرة، التي تُسمى “مختبرات الرصيف” Sidewalk Labs بدأت تتشكّل لتصبح مختلفة عن الكثير من الأعمال التي قامت بها شركات التكنولوجيا لاستحداث ما يُسمى المُدن الذكية. دوكتوروف يُريد تجميع فِرق عمل صغيرة من الخبراء لتبادل الأفكار وإطلاق المشاريع التجريبية التي لديها القدرة على الانتشار بسرعة مع أعداد كبيرة من سكان المدن، وفقا لكارلو راتي، خبير المدن في معهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا الذي اتصلت به “جوجل”.
ويضيف أن هذا النوع من نهج “من الأسفل إلى الأعلى” لديه القدرة على إحداث التغيير السريع بتكلفة منخفضة – على عكس مشاريع التكنولوجيا الشاملة الأكثر مركزية التي كانت المدن تستخدمها في الماضي لتخفيض التكاليف أو تحسين الخدمات.
“جوجل” أبعد ما تكون عن كونها أول شركة تكنولوجيا ترى السوق المحتملة الضخمة حول المدن الذكية. ريان تشين، رئيس إحدى المبادرات في مختبر الإعلام في معهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا، قال: “أنا أعتقد أنها متأخرة قليلا – فقد قامت شركة آي بي إم وغيرها بتسويق هذه الفكرة منذ بعض الوقت”. وبحسب مايكل ديكسون، المدير العام لمبادرة شركة آي بي إم في هذا المجال، الكثير من العمل كان يرتكز على الحصول على مزيد من القيمة من أصول المدينة عن طريق تحسين استخدامها، أو جلب المزيد من الكفاءة للقدرة على التخطيط من أجل الاستثمارات في المستقبل.
مع ذلك، احتاجت إلى بعض الوقت لتحقيق النتائج. وتقول روثبيا ياسنر كلارك، المحللة في شركة آي دي سي للأبحاث: “بالتأكيد كانت أبطأ مما أراد الناس”. وتلاحظ أن جزءا من السبب هو أن الموجة الأولى من تكنولوجيا المدن الذكية تزامنت مع انكماش ترك كثيرا من المدن تفتقر إلى النقود لدعم المشاريع الجديدة.
التعقيد الكبير لعب دورا أيضا، فغالبا ما تعتمد المشاريع على مجموعة من التكنولوجيات، من استخدام منتجات “إنترنت الأشياء” مثل أجهزة الاستشعار إلى تجميع وتحليل كميات كبيرة من البيانات، إلى فتح قواعد البيانات من المعلومات المدنية. وفي الأماكن ذات الكثافة السكانية العالية، المشاريع التي أدت إلى تغيرات في السلوك، مثل ترتيبات النقل الجديدة، تقع أيضا تحت آثار جانبية غير متوقعة في مناطق أخرى.
إذا كان هناك تغيير في الأجواء، فهو يدين كثيرا لمعرفة أعمق للطريقة التي تعمل بها الحياة داخل أكبر المدن في العالم. يقول ستيف كونين، رئيس مشروع المدن في جامعة نيويورك، وهو من بين أولئك الذين طلب منهم العمل في المجالس الاستشارية لمشروع “مختبرات الرصيف”: “لقد تجاوزنا الحد الأدنى في ذلك بحيث إن هناك الكثير من البيانات الموجودة والتي لا تزال تنمو أضعافا مضاعفة”.
كما يعكس أيضا اعتقادا بأن التكنولوجيا الجديدة المنتشرة مثل الهواتف الذكية وخدمة السحابة تضع الأساس للتغيير التخريبي. “أوبر”، خدمة الحصول على سيارة أجرة التي تم تقييمها أخيرا بـ 50 مليار دولار، أصبحت أنموذجا ينتشر على نطاق واسع للتغير من الأسفل إلى الأعلى: عن طريق جعل خدمات السيارات أرخص وأكثر ملاءمة بحيث يمكن أن تقلل من حوافز امتلاك سيارة، مع تأثيرات مهمة في الطريقة التي تعمل بها المدن.
يقول كونين إن “جوجل”، بما لديها من تاريخ في جمع وتحليل كميات كبيرة من البيانات، ينبغي أن تكون مناسبة بشكل خاص لهذا المجال – على الرغم من أن هذا من المرجح أن يعمل على إثارة المخاوف المُتعلقة بالخصوصية، التي غالبا ما تُصاحب مشاريعها الجديدة الأكثر طموحا.
جوجل تملك أصولا أخرى يمكن أن تستثمرها في طموحاتها الحضرية: السيارات دون سائق، وقسم نست “للمنازل الذكية” الذي يقوم بصناعة أجهزة تنظيم الحرارة وأجهزة إنذار الدخان، وتطبيق وايز لتتبع الازدحام المروري، وحتى شبكات الإنترنت السريعة المحلية التي تقوم ببنائها في عدد من المدن في الولايات المتحدة. وتقول كلارك إن كل هذا جزء من منصة تكنولوجيا واسعة يمكن تطبيقها.
لكن من أجل الحصول على تأثير في مثل هذا المجال الواسع والمُعقد، سيكون على الشركة أيضا إيجاد أشكال جديدة من النفوذ. يقول كونين، إن هذا قد يتضمن “الوصول إلى بيانات حكومية لم تفتح بعد”، أو محاولة امتلاك “جزء معيّن من البنية التحتية، خاصة البنية التحتية للبيانات” التي من شأنها أن تمنحها النفوذ.
بالنسبة لبيج، مشروع “مختبرات الرصيف” يمكن أيضا أن يعالج قضايا محلية. ومع ازدهار صناعة التكنولوجيا، يقول تشين إن عدم وجود سكن بأسعار معقولة أصبح واحدة من أكبر المشاكل في سان فرانسيسكو.
ويُضيف أن نظام الحافلات الخاص بجوجل لنقل موظفيها من المدينة إلى مكاتبها في وادي السليكون أصبح رمزا لتفاقم عدم المساواة “وسبب كثيرا من القلق”.
هذه القضايا كانت في ذهن بيج. ففي مقابلة مع “فاينانشيال تايمز” العام الماضي، قال إنه ينبغي أن يكون من الممكن تحقيق تخفيضات جذرية في أسعار المنازل في وادي السليكون. واستخدام أنواع جديدة من مواد البناء والبُنية هي بين القضايا التي يُركّز عليها مشروع “مختبرات الرصيف”، بحسب شخص مُطلّع على خططها.
ومع شعور المساهمين في جوجل بالقلق من الإنفاق في الشركة على المشاريع طويلة الأجل، قال بيج إنها وضعت فقط “استثمارا متواضعا نسبيا” في قسمها للتكنولوجيا الحضرية، دون الكشف عن تفاصيل مُحددة.
وللحصول على ذلك النوع من التأثير الواسع الذي يأمله، سيكون على الشركة إما إنفاق المزيد، وإما إقناع مجموعة واسعة من الشركات الأخرى والمنظمات المدنية بأن رؤيتها من أجل حياة حضرية أفضل تستحق الدعم.

