Pdf copy 1

مفتاح شعيب
تونس ما قبل مذبحة السياح في مدينة سوسة هي ليست تونس ما بعدها، فدماء 38 قتيلاً، أغلبهم بريطانيون، ومثلهم من الجرحى جعلت الجميع مقتنعاً بأن الجماعات الإرهابية الجبانة مازال لديها كثير من المفاجآت الفظيعة لتغدر بها التونسيين في مأمن، الأمر الذي يدفع السلطات إلى رفع مستوى التأهب ويبرر كل ما تتخذه من تدابير لحماية الأمن الوطني.
في هذه الظروف العصيبة يبدو أن تونس تتجه إلى إعلان حالة طوارئ غير مسبوقة بعد إعلان الحكومة استدعاء جانب من جيش الاحتياط للمساهمة في المجهود الأمني والعسكري للتصدي للمخططات الإرهابية، وهي خطوة تأخرت كثيراً، وكان يفترض أن تكون قبل هذا الوقت لتقطع الطريق على عمليات عدة أدمت البلاد في أكثر من موقع.
الجانب المهم في اليقظة الحكومية الجديدة يتصل بالإجراءات القانونية والتشريعية التي سيكون تطبيقها بمثابة إعلان حرب فعلية شاملة على الإرهاب، خاصة فيما يتعلق بإغلاق أوكار التطرف في بعض المساجد، والجمعيات الخيرية المدانة بتجنيد المتطرفين، وحل الأحزاب التي لا تعترف بالدولة وتدعم الإرهاب وتوفر له الحاضنة الفكرية وإن ادعت عكس ذلك مثل «حزب التحرير».
على مدار ثلاث سنوات ظلت الأجهزة الأمنية تطالب بغطاء قانوني يمكنها من تأدية الواجب، ولكن النخبة السياسية التي بزغت بعد انهيار النظام السابق، وحكمت في عهد «الترويكا» عرقلت مصادقة المجلس التأسيسي على قانون مكافحة الإرهاب بحجة أنه يهدد مكاسب «الثورة» ويضيق على الحريات، وقد تأكد أن ادعاءات الخوف على حرية التعبير والحركة والتنظيم ساعدت على تفشي الإرهاب في تونس، وخلف تلك الشعارات جرى جلب عشرات من دعاة التكفير من الخارج ، ومعهم الآلاف لنشر الثقافة الظلامية، وتمت إقامة مهرجانات التجييش إلى «الجهاد» وإنشاء معسكرات للتدريب، كثير منها كان بعلم حكومة الترويكا والرئيس منصف المرزوقي الذي فتح أبواب قصر قرطاج للعشرات من دعاة الإرهاب، كما أفرج عن المئات من الإرهابيين، ليلتحق جلهم بالتنظيمات الإجرامية في سوريا والعراق وليبيا ويقتل بعضهم العديد من رجال الجيش والشرطة التونسيين، ومازال التهديد متواصلاً حتى وصل إلى مذبحة السياح في سوسة.
هناك أخطاء كبيرة وقعت فيها الدولة التونسية بسبب تنطع بعض السياسيين وعدم فهمهم لمقتضيات أمن الدولة في الظروف الاستثنائية. وما حصل يوم الجمعة الماضي يطرح سلسلة من الإشكاليات المتصلة بالأمن ومستقبل البلاد وحركة اقتصادها وسمعتها في الخارج. والإرهابي ذو ال 24 عاماً الذي نفذ مذبحة شاطئ الفندق في سوسة يشير إلى قضية التغرير بالشباب وعجز السلطات عن التصدي لهذه الظاهرة وعدم مسارعتها إلى إغلاق منافذ الشرور خصوصاً على شبكة الإنترنت. 
فهذه الشبكة كانت مثل اللعنة التي حلت بهذه المنطقة من العالم وجرّت على بعض البلدان كوارث أكثر مما جلبت من منافع. وبعد تجارب عدة أصبح من شبه المؤكد أن وسائل التواصل التي فاضت بها الحضارة الحديثة مسؤولة أكثر من غيرها عن انتشار الإرهاب وتنظيماته المختلفة. وعلى الدول المهددة، ومنها تونس، أن تعمل منفردة ومجتمعة على مراقبة هذه الوسائط وحتى إغلاقها إن اقتضى الأمر، فحفظ أرواح الناس وإسقاط الاعتداءات الشريرة أقدس ألف مرة من الحريات السائبة، ومن صراخ المنظمات الداعية إلى تحرير كل شيء دون تفطن إلى أن الإفراط في الحرية يؤدي إلى الفوضى ومن ثم إلى مصائب ثقيلة.

التعليقات معطلة