عماد عبد اللطيف سالم
في بدايات الحرب العراقيّة – الإيرانيّة .. كانت القطارات النازلة من بغداد إلى البصرة ، تنطلِقُ مساء كلّ يوم ، بحمولتها من الجنود الذاهبينَ إلى جبهات الحرب الجنوبيّة ، من ” المحطّة العالميّة ” في “عَلاوي الحِلّة “.
وعلى أحد مقاعد هذه القطارات كان رفيق احدى رحلاتي جنديٌ صغيرٌ في السن . كان كلّ شيءٍ يرتديه من مستلزمات قيافته العسكريّة واسِعاً جداً عليه ، بسببِ نحافتهِ ، ورقَّتِهِ ، وصغر سنّه . كان يبدو محصوراً في ” ذلك الحيّز الحقير بين البيريّة و البسطال ” .. كما كان ينصُّ عليه تعريفٌ شائعٌ لـ ” مفهوم ” الجنديّ ، ابتدَعَهُ ، وقامَ بترويجهِ ، الجنودُ ” المثقّفّون ” آنذاك .
و ما ان تتحرك هذه القطارات ، حتّى يتم إطفاء جميع مصابيح العربات ، خوفاً من التعرّض لغارةٍ جويّةٍ معاديّة .
وعندما يعمُّ الظلامُ العربات ، تبدأُ عمليّة بيعٍ واسعة ، سريّة وسريعة ، لشتى انواع المشروبات ” الممنوعة ” . كان مزاج الجنود الكئيب يسمح لبعض الركاب بممارسة ذلك النشاط التجاري ” المريب ” . وهكذا كنتَ تشعرُ وأنتَ جالس في مقعدك ، بـ فَمِ ” شبَحٍ ” يقتربُ من أذنكَ ، ويهمسُ فيها بعجالَة :
” زحلاوي . عصريّة . أسود . أبيض . مَسْتَكي “.
كان بعضُ الجنود يشترون ، ويشربون . وآخرون يرفضون ذلك بغضب : ” عمّي إحنه بيا حال .والله انته بطران . دروح .. وجفّيني شَرّكْ ” .
كلّ ركّاب تلك القطارات كانوا يعرفون بأنّ نصفهم ( على الأقل ) لن يعودوا إلى بيوتهم أبداً . وسيموتون هناك .. في جبهات الحرب الممتدّة من الفاو ، إلى ” الأحواز ” ، إلى ” بسيتين ” ، إلى ” الشِيب ” ، إلى ” الفَكّة “.
بعد ان عبّ الجنديّ الفتى ” مَجْعَتَينِ ” من الزحلاوي “السادة ” .. مدّ يدَهُ إلى ” قمصلته ” الرومانيّة الضخمة . وأخْرَجَ من واحدٍ من جيوبها الكثيرة مجموعةً من الصور الفوتوغرافيّة المرزومة بعنايةٍ شديدة .
قام الفتى بفتح الرزمة ببطء . تصفّحَّ محتوياتها بوجه رجلٍ حزينٍ ، شارد الذهن .. صورةً بعد صورة ، ثم دفعها نحوي قائلاً : – هذه ” صُوَري ” انا وحبيبتي .. في ” الزوراء ” .. في هذه ” الإجازة ” .
كان عدد الصُوَر كبيراً جداً ، ومُكْلِفاً بالطبع . خاصةً وأنَ المصورّين الجوّالين هُم من كانوا يقومون بالتقاطها في الأماكن العامة . ولم يكن هناك يومها ، لا كاميرات ” ديجتال ” .. ولا موبايلات .. ولا ” سيلفي ” .
تصفّحْتُ تلكَ الصُوَر بدوري . كان الضوءُ المتسرّبُ من نوافذ العربات شحيحاً ، ومُتقَطِّعاً . لذا لم أكن أتبيّنُ ملامحَ الوجوه الشاخصة فيها بوضوح .
– حلوة . إنشاء الله تصير من نصيبك . قلتُ ذلكَ وانا أعيدُ رزمة الصُوَر اليهِ .. فأخذَها منّي .. وبدأ يبكي .
– لا يمعَوّدْ . لتِبْجي . هوّه كلّه شهر واحد ، وتِرجَع مُجاز ، وتشوف حبيبتك بالزوراء ،وتاخُذْ ويّاها 100صورة.
قلتُ لهُ ذلك .. فتوقّف عن البكاء . ثم التفَتَ نحوي قائلاً : – استاد ( كنت في الثلاثينيّات من عمري ، وارتدي نظّارات طبيّة سميكة ) . إنته صحيح بمقام أخوية الجبير ، والله شاهِد . بس آني هذا السوّيته غلَطْ ، وأبد مو صحيح . وعيب . وجان المفروض ما أشَوْفَك الصُوَر .
أجبتْ : – لا يمعوّدْ . ليش غَلَط . إحنه بدرب ” الصَدْ ما رَدْ ” . وإنته بمقام أخويه الصغير ، والله شاهِدْ . وهاي طَلِعتَك كلّش خوش طلعة .. وما بيهه شي .
قال : – زين خوية . لنفترِضْ هاي حبيبتي ، وبالصدفة ، طِلْعَتْ أختك لو كَرايبَكْ .. جان اشلون ؟؟؟ .
أجَبْتُ على الفور : – و لايهمّك خويه . إذا هاي حبيبتك طِلْعَتْ أختي . ورايحه ويّاك للزوراء . وماخذه ويّاك 100 صورة . وبطَلعه وِحدَه .. فبالعافية عليك خواتي كُلْهِن .. لا وكل نسوان العائلة بعد .
ضحكَ الفتى الجنديّ بحبورٍ .. ونام .
والآن .. أكادُ اجزمُ بأنّ هذا الفتى ، لم يَعُدْ حيّاً من تلك الحرب .
ولم يذهب إلى متنزّه الزوراء مرّةً أخرى .. لا مع ” أختي ” .. ولا مع ” خواتْ ” غيري من الناس .
ولم يلتقِط بعد تلك الرحلة .. صورةً اضافيةً للحبيبة .
وأنّ كل تلك الصُوَر ، التي احتفينا بها في القطار ، قد تركها ” المأمور ” ملطّخةً بالدم . هُناك .. في تلك ” القمصلة ” الرومانيّة العريضة ، المتعدّدة الجيوب . وعادَ بهِ وحده .. في تابوتٍ مربوطٍ على سقف التاكسي ” الكراون ” .. ملفوفاً بالعَلَم ” الوطنيّ ” .. إلى أهله .

