د.عباس العلي
قرر زعيم الجزيرة أن يصعد قمة الجبل لإكمال مراسيم تنصيبه إله للجزيرة وما حولها حسب النبوءة المتوارثة عند الشعب ,أستدعى وزيره وسلمه مقاليد الحكم نيابة لحين العودة وأختار أول ساعات الفجر ليبدأ رحلة الصعود …..أشرقت شمس الصباح وطبول القلعة تدوي علامة الأجتماع أمام قصر الزعيم , من عادة الشعب إطاعة الأوامر فقد منحهم رب الجزيرة أجمل الأحلام وحياة مرفهة , أطل الوزير من نافذة القصر مخاطبا شعبه أنه سيكون في رحلة أستجمام على الشاطيء وعلى جميع فتيات المدينة ونساءها الجميلات أن يرافقن الرب في هذه الرحلة , كل شيء يوحي بالجمال فقد تزين المدينة بأحلى مهرجان للألوان والعطور والصدور المنتفخه شبه العارية وهي تسير نحو البحر برفقة الوزير العجوز .
في غيابه سلم مفاتيح القصور والخزائن لرئيس الحرس وطلب منه أن يعمل بسيرة الزعيم لحين عودته وأن رحلته للبحر هي تعويضا عن جهد سنين من الخدمة بلا إجازة أو راحة , خرج الرئيس وقد جمع كل البغال وحمل خزائن القصور وكل ما يملك الشعب من حلي ذهبية وجواهر ومضى يبحث عن مكان أمن يحرس فيها المال وهو يستمتع بتلئلؤ الذهب والفضة وأمر كل المكاريه أن يبتعدوا عن البغال وساق الركب لوحده , فيما سلم المفاتيح إلى كبير العبيد والخدم في قصر الرب وأوصاه الحفاظ على الشعب وإدارة الدفة بإتقان , أصبحت الشمس تقريبا تتوسط السماء والأميرة الجميلة ملكة الشعب نائمة في سريرها الحريري وقد كشفت عن كل مفاتنها التي سالت لها لعاب سيد الخدم وكبير العبيد الذي لم يمتلك غاسقه الذي وقب فوقع عليها وأستسلمت له بعد ذاقت منه العسل .
في غياب رئيس الحرس وسيد الخدم لم يجد موظفوا القصر ولا قوة الشرطة من يراقبهم فذهبوا إلى الأسرة والأفياء يبحثون عن ساعات قيلوله يعوضوا فيها سهر الليالي الطويلة فيما كان الناس كلهم لا يعرفوا ما حدث ,وكل عاد لبيته لينتظر أمرا ما أو حدث سيقع ,جاء المساء وقد خلت الشوارع إلا من الكلاب والبقر والخراف التي عادت من حقولها متخمة دون أن يقودها أحد لمكان ما ,وحدها كانت أبواب المعبد مفتوحة والبرد والمطر أخذ بغزو جو الجزيرة فهرعت الحمير والكلاب لكل مكان مفتوح ,هكذا أمتلأ المعبد بالمزيد منها حتى أخره .
خرج العبيد من قصر الرب يبحثون عن سيد يقودهم أو عن سوط يشفي غليل جلودهم فقد مرت ساعات وساعات ولم يتذقوا شيئا ما من مراسيم العبودية , لا شيء يوحي أن أحدا يتحرك أو فيه أمل بحراك ,ذهبوا ناحية المعبد حيث كانوا يستمعون للأدلة على جمال الإستمتاع بعبودية السيد لهم ,لم يجدوا غير أكداس الحمير والكلاب والبقر يتزعمهم خروف مخرف ذو قرنين كبيرين كأنهما علامة النصر , سجد المساكين له ظنا أنه ربهم الأعلى وهم يطوفون حوله في أحتفال مهيب حتى أن الخروف ظن أن جنون البقر قد أصاب القوم فدخل غرفة الكاهن ليستريح من هذا المزيج من الضوضاء والغباء المجنون .
عاد الرب فجر اليوم التالي وهو يحمل بشارة الخلود والمجد وبيده عصى اللوز التي فيها أسرار الحكمة ومنبع السلام أذهله حال البلد ,قد يكون ذلك من غضب الألهة الكبيرة أم أن دين جديد قد غزا الجزيرة في غيبته القصيرة, صاح بالناس يا أيها الذين ……. أنا ربكم وهذه براهين مجدي والخلود ,لم يعره أحد من أنتباهة ولو صغيرة , صاح بالحرس لم يعد أحد يسمع شيئا الجميع أصابهم الصمم ,لم يك أمامه إلا حل واحد أن يذهب للقصر ويقرع الطبول ويسأل عن وزيره المؤتمن ,دخل غرفة الأميرة وجدها بين أحضان عبده الكبير وقد طغى أما هي مستمتعة بما منحه الله من نعمة تكاد تتلاشى نعمة زوجها أمام ما يمنحها من دفء ولذة ,نادى بأعلى صوته كيف لك أن تخون سيدك أيها العبد الأثم … من كثرة ما فعل العبد من أثام بحق الرب أرتخت عضلات أسته فأطلق ريحا قوية مصحوبة بنقرات متقطعة من أصوات متضخمة كانت متحشرجه في أمعائه الدقيقة والغليظة .
خرج ينادي على رئيس الحرس وقائد القوات من غرفته المخصوصة للقيادة لم يجد غير بعض القطط والقرود وبعض الدجاج قد أفترشن الغرقة ولا شيء يوحي أن أحدا ما في القصر موجود ,وقف طويلا من على شرفته ليرى اللعنة التي أصابت قومه وقرر أن يقرع الطبول ليوقظ الناس من غفلتها , مسك العصا الغليضة التي بالكاد حملها وهوى على الطبل الكبير ,ذهبت الضربة كهواء في شبك فقد مزقت الأنواء الجوية الجلد ولم يعد يصلح لشيء …. عندها علم الرب الجديد أن محاولاته بإحياء العظام وهي رميم مجرد وهم وما حل له غير أنتظار ما لا ينتظر , الموت شعار قديم.

