Pdf copy 1

من تناقضات هذا الزمن العجيب، وتقلباته المزرية المتقاطعة مع أبسط حقوق الإنسان. أن ضحايا الإرهاب لا يملكون حق الاعتراض على المجرمين والحاقدين والطائفيين، بل لا ينبغي أن ترتفع أصواتهم فوق أصوات خطباء الفتنة الطائفية. هذا هو المنطق السائد في الأوساط العربية هذه الأيام. أما إذا حاولنا الاعتراض على ما حل بنا من مجازر وانتهاكات فسنكون نحن الطائفيين في معاييرهم الظالمة، ونحن المحرضين على الفتنة في منظورهم المعادي للجنس البشري.
تتردد من وقت لآخر عبارات التحريض التي يطلقها الشيخ (الحويني) من منبره في مصر، وهو يحث المصلين لإرسال أولادهم إلى سوريا والعراق من أجل جمع ما يمكن جمعه من السبايا والجواري. وهو أول من نثر البارود فوق براكين الهمجية المتفجرة باسم الدين، فكانت الفتيات المسيحيات والأيزيديات في طليعة قوافل السبايا تلبية لنداءاته. فلا الأزهر الشريف ألجمه حجرا، ولا الدولة المصرية ألقت عليه القبض بتهمة التحريض على انتهاك حقوق الناس. لكننا ما أن نشجب دعوات هذا المجرم الموتور حتى تنهال علينا اتهاماتهم الباطلة بالترويج للطائفية.
وتترد بين الفينة والفينة الدعوات الجهنمية للشيخ (محمد الزغبي)، وهو يرفع عقيرته بالصياح في مساجد القاهرة. يبكي بأعلى صوته والدموع تنهمر على لحيته، وهو يولول بهذه الكلمات، فيقول: اللهم أهلك شيعة العراق، اللهم عليك بشيعة العراق، اللهم أهلك النصارى، اللهم أهلك الحوثيين، اللهم أهلك العلويين، ثم يبكي وينتحب في مشهد تمثيلي رخيص، فيلهج بالدعاء مرة أخرى: اللهم افني شيعة العراق، اللهم دمر نصارى لبنان، اللهم أسحق العلويين في سوريا. حتى صارت دعواته ماركة مسجلة للتحريض العلني على القتل، وعلامة دالة من علامات الإرهاب والتطرف، فتحولت كلماته إلى أحزمة ناسفة، وعبوات لاصقة، وصواريخ تنطلق في كل الاتجاهات، فلا الأزهر الشريف اعترض عليه، ولا النائب العام استدعاه للمثول أمام المحكمة بتهمة إشاعة الفوضى الطائفية، أو بتهمة نشر ثقافة الموت. لكننا ما أن نستشهد بتسجيلاته الصوتية، وما أن نبصق في وجهه حتى نصبح في أنظارهم طائفيين ومحرضين.
وتتردد مساء كل يوم البكائيات المتشنجة للشيخ (محمود شعبان). شيخ آخر من شيوخ الرذيلة. يتبجح صباح مساء بتقوى الذئاب، ويتفاخر أمام أنظار الدولة المصرية بدموع الضباع. شيخ فاجر. ما انفك يحرض الناس على الفتنة. يدعوهم لتأييد الإرهابيين ونصرتهم. يبرر جرائمهم البشعة. يضفي عليها الشرعية بأعذار أقل ما يقال عنها أنها أقبح من الوقاحة نفسها. شيخ مراوغ. يكذب على الناس. يبث الفتنة عبر مكبرات الصوت. يدعو جهاراً لقتل الأقباط، وقتل الشيعة والعلويين والدروز والفاطميين، وكل الطوائف التي كانت هي الضحية الأولى لمجازر التنظيمات الإرهابية. أما افتراءات الشيخ محمد سعيد رسلان فلا حدود لها، ونخجل من ذكرها هنا. ومع ذلك لم يعترض عليه الأزهر، ولم تسكته الحكومة المصرية. لكننا ما أن نضع أيدينا على أشرطته الصوتية الموثقة، ونعرضها على الرأي العام، حتى نصبح نحن الطائفيين، ونحن الإرهابيين في المقياس المقلوب الذي آمنت به الغالبية العظمى من المحسوبين على النخبة المثقفة، من الذين انهالوا علينا بعباراتهم الجارحة، وكأنما المطلوب منا أن نلوذ بالصمت، ونستعد لمواجهة الفناء بخناجر هذه الفئات المحرضة على العنف والإرهاب. فهذا هو المنطق الغبي الذي يؤمنون به، ربما لأن هؤلاء في نظرهم يمثلون الدفعة الجديدة من أئمة الألفية الثالثة، الذين سيأخذون على عاتقهم تقديم صورة مشوهة للدين الحنيف، الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق، ويبشر الناس بالرحمة والسلام، ويدعو للحكمة والموعظة الحسنة.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا يا رب

التعليقات معطلة