هادي المياح
مضى على بداية الحصه الاولى عشر دقائق تقريباً، وكانت كافية للشعور بالقلق ، لذا قرر عدم دخول قاعة الدرس بسبب هذا التأخير..توقف عند منتصف السلم ،كان الهدوء يخيم على الطابقين العلوي والسفلي للمدرسة وجميع ابواب القاعات مغلقة ،كذلك الأروقة والممرات، جميعها خالية من الحركة ويسودها صمت مطبق،هذا هو حال المدرسة المعتاد، نظام اداري صارم واحترام للوقت، وجرس الدرس المعلق في الحائط كالسيف يقطع الحركة والضوضاء..بين فترة واُخرى تصل اسماعه بعض الأصوات يتخيلها قادمة من داخل قاعات الدرس..ربما هي اصوات المدرسين أو جلبة الطلاب ..واصوات اخرى قادمة من ناحية السوق الشعبي القريب..فالمدرسة تقع على الشارع المحاذي للنهر وخلفها يمتد السوق بأذرع متعددة فيحتل مساحةً كبيرة اكبر مما خصص له..
في كل صباح، عليه ان يقطع ثلاثة اميال تقريباً عبر بساتين الفاكهة، يجتاز خلالها القناطر والجسور الصغيرة، يلفحه الهواء البارد فتغرق عيناه بالدمع حتى يكاد ألا يستوضح الطريق، وهو يمر في آخر مشواره بالشارع العريض،المطل على مشاتل ألزينه ثم الجسر العائم، ليصل في النهايه عتبة بناية المدرسه.
هذه المسافة طويلة بالنسبة له لضعف حالته البدنية واستهلاك دراجته الهوائية التي بدت عليها مظاهرالتعب لطول فترة الاستخدام..تردد كثيراً قبل ان يرتقي درجات السلم، رأى باب قاعة الدرس مغلقاً، فتجاذبته عدة افكار ومخاوف بسبب التأخير..
في منتصف السلّم، ألقى بنفسه على احدى الدرجات، مستنداً على ربطة كتبه، ينتظر بشغف نهاية الحصة..الحاجز الحديدي يبعث عنده إحساساً بالبرد، فيرتد على نفسه بعض الشئ، وعيناه ما تزالان معلقتين بباب قاعة الدرس، تقتحمانها عنوة حتى الداخل..فيخيل له انه يرى كل شئ ، يرى مدرس المادة وهو يقف قرب اللوحة السوداء، مسترسلاً في شرح مادة اليوم، يرى التلاميذ وقد شغلوا كل المقاعد، عدا مقعداً واحدًا هو مقعده، تمنى لو إنه قد شغله الان، إحساس كبير بالذنب يستولي عليه، ماذا لو إستيقظ مبكرا هذا الصباح؟ وهل ان عشر دقائق تستحق كل هذا العناء والقلق الذي يعبث به؟ لو كان بينهم الان لشاطر الجميع وحصد كل كلمات الشكر والمديح ، فهو طالب متميز، وموهوب..ربما سوف لن يفكر بإنتهاء زمن الحصة! كما هو الحال لدى الكسالى من الطلاب..ولكنه في واقع الحال لم يكن بينهم الان..
لوجاء مبكراً لتجاوز الكثير :عقوبة، فوات حصة، تأنيب ضمير..سيعاقب من قبل الجميع وأولهم مدير المدرسة ومدرس المادة، ثم أخيراً ابوه، حتى أبوه سيعاقبه، لم يبق له سوى الله من يدري هل سينقذه الله من كل هذه العقوبات ام سيعاقبه ايضاً؟ ولو كان حظه جيداً في هذا اليوم، فربما سيُكتفى بلومه ولكن اللوم ايضا درجات فمنه ما كان شديداً قاسياً وهذا قد يكون الضرب أهون منه، ومنه ما كان خفيفاً مصحوباً بابتسامة ساخرة حين تراها تحس بوجع خاص..لكن تبقى عقوبة المدير هي دائماً أقسى العقوبات خاصة اذا كان مدير هذه المدرسة بالذات!
فكر:
ماذا لو رَآني القط الأسود هنا على السلّم متخلفاً عن الدرس ؟
و(القط الأسود) هو وصف أطلقه بعض المشاكسين على المدير لشدة إدارته وقسوته عليهم ،فقد كان يظهر لهم دائماً ملوحاً بعصاه وببدلته السوداء التي لا يفارقها طوال الفصل الدراسي!
هل سيرحمني ألقط الأسود؟ أم سينزل بي أقسى العقوبات! إزدادت مخاوفه كثيراً، وجال بصره في جدار الحائط أمامه كمن عجز عن ايجاد مخرجاً لمحنته.. تحدث مع نفسه:
هذه الحصه لابد ان تنتهي وبسرعة، على الأقل حتى تكون المواجهة هيّنة وبعيدة عن أنظار التلاميذ! ولكن كيف اعرف الوقت الان وانا لا املك ساعة؟
شئ من الحيرة يستولي عليه وعيناه لا تزالان شاخصتان في جدار الحائط تبحثان عن فكرة قد تبعث اليه بعض الأمل، ثم توقفتا فجأة عند نقطة وهمية..غمرها سيل من الايمائات والاشارات فاضت من ذهنه المتقد، بعد لحظات من التركيز رسمت الايمائات خطوطاً شكلت على الجدار ساعة دائرية، انطلق من مركزها الوهمي شعاعان مرتجفين، يتبعهما ثالث غير واضح، ولكنه يبعث تكتكة كالطرق الخفيف، تناغمت بدرجة مماثلة مع ضربات قلبه!!
وكنتيجة لهذا الاكتشاف البسيط،شعر بشئ من الراحة..وأدرك أن عليه الان ان يبدأ بالتوقيت والحساب ومتابعة عقارب الساعة !
لأول وهلة بدا من الصعب عليه أن يوائم بشكل دقيق بين أشياء إفتراضية واُخرى موجودة في ذهنه فقط..الساعة الوهمية على الجدار..ضربات قلبه داخل صدره..ثم مقاربة كل ضربة مع ثانية واحدة..لكن قلبه الان ضعيف أنهكه قلق الانتظار.. وهذا كله قد يكون أشبه بالهراء..تثائب كقط وقف في مكان اكتشف أخيراً بلا جدواه، عاد يفكر مرة اخرى من جديد..
أخذه النعاس، تدلى رأسه الصغير مستنداً على أحد كتفيه، فزّ مرعوباً وهو يختلس النظر ما بين الإدارة وقاعة الدرس، والساعة الجدارية التي نسي توقيتها ومتابعة نهاية الحصة! كان منهكاً من التفكير، بدا له الحائط أشبه بالخٓرِبة المتروكة، وقرص الساعة يتضائل بالتدريج، ويهرب عقرب الثواني خارج الإطار، ينزوي في ركن ما من الخربة، ويعقبه عقرب الدقائق في نفس الاتجاه.
دقّات خافته تطّن في أذنيه تتصاعد حدّتها شيئاً فشيئاً..وتتحول الى أصوات خطوات قادمة نحوه..يسترق نصف التفاتة الى الخلف..فيبدو له المدير بوجهه المتجهم وبدلتة السوداء، ملوحاً له بعصاه الأزلية في الهواء ..ضارباً الارض بقدميه..شعر بأنه سوف يهان لا محال..فتمنى هذه المرة لو ان الحصة لا تنتهي، حتى لا يشهد الطلاب إهانته..وكالحالم أحسّ بطرف العصا وهي تلامس كتفه وتتحرك حول رقبته ،لا…..لا..انه القط الأسود!!..لم يكن يوما يكره القط الأسود رغم قسوته وشدته في الادارة- كما هو الان- إستذكر في هذه اللحظة، كل ما كان يُحكى من قصص تصف الحيوانات -السوداء اللون- بسوء الطالع والنكد كالقطط والكلاب والغربان وتحذر الناس منها بشدة !
إنكمش على نفسه كالقنفذ من شدة الخوف..وإنتبه على صوت خطوات قادمة بإتجاهه، شعر بحاجز شاقولي معتم عزل عنه ضوء النهار، اقتربت الخطوات منه اكثر، ميّز صوت حارس المدرسة الاجش في أسفل السلم وهو ينادي عليه :
مالذي جاء بك ؟ ألا تدري أن اليوم عطلة رسمية؟؟

