ليونيد بيرشيدسكي
في الوقت الراهن يعتبر اقتصادا إسبانيا وآيرلندا هما الأكثر ديناميكية في منطقة اليورو، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الإسباني بنسبة 3.1٪ هذا العام، ونمو الاقتصاد الآيرلندي بنسبة 4٪، وهي توقعات واقعية، بناءً على التقدم الذي أحرزه البلدان في النصف الأول من العام الجاري.
وإذا ما أخذنا هذا الأداء في الحسبان، فإن المرء لابد أن يتساءل: إلى متى يمكن لأي اقتصادي الاستمرار في شجب التقشف باعتباره الدواء المميت في النموذج اليوناني؟
تشير الإحصائيات إلى أن إسبانيا نمت بنسبة 0.9٪ خلال الربع الأول من 2015 وبنسبة 1٪ خلال الربع الثاني، وهو نمو يرجعه بعض المحللين لزيادة أعداد السياح الذين باتوا يفضلون إسبانيا على اليونان المضطربة. لكن الحقيقة هي أن هناك قطاعات أخرى مثل الصناعة، والتشييد، وتجارتي الجملة والتجزئة، والخدمات المتخصصة.. ساهمت في النمو المتحقق في الربع الأول من العام، إلى جانب السياحة.
الناتج القومي الإجمالي لإسبانيا لم يعد لأعلى مستوى كان قد وصل إليه، إذ كان أكبر بمقدار 5٪ خلال الربع الثاني من عام 2008 مقارنة بهذا العام، لكن معدل النمو فيها عاد لمستويات ما قبل الأزمة.
نقاد التقشف، والذين يعتبر «بول كروجمان» الحاصل على نوبل في الاقتصاد أكثرهم تشدداً، يقولون: إن كل ذلك محض هراء، مستندين في قولهم إلى معدل البطالة المرتفع بشكل مستمر في إسبانيا، وما يرافقه من سخط اجتماعي.
ورغم أن معدل البطالة في إسبانيا ما زال مرتفعاً بشكل غير طبيعي، فإنه يسير في طريقه للانخفاض، حيث كان قد اقترب من 27٪ عام 2013، لكنه عاد للانخفاض إلى 22.4٪ في يونيو الفائت. وخلال الشهور الثلاثة الأخيرة انخفض بما يزيد على نقطة واحدة مئوية.
ذهب معسكر كروجمان أيضاً للقول: إن إسبانيا وأيرلندا، على النقيض من اليونان، لم تريا تقشفاً حقيقياً. فخلال الفترة بين 2007 و2014 زاد الإنفاق الحكومي في إسبانيا، بينما انخفض في آيرلندا بنسبة 2٪ فقط.
لكن هذه التغيرات الحقيقية في الإنفاق، لا تعبر عن الواقع الحقيقي. وفي رأيي أن الإنفاق العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي سوف يكون مقياساً أفضل في حالتنا هذه، وهو ما يمكن تبيانه كما يأتي:
من بين الدول الثلاثة كانت آيرلندا، وليس اليونان، هي الدولة التي شهد إنفاقها العام انخفاضاً أكثر من غيره، مقارنةً بالحجم الكلي لاقتصادها. ويمكن لبعض الاقتصاديين أن يطرحوا في هذا السياق رأياً مؤداه أن التقشف كان هو العامل الذي جعل الاقتصاد اليوناني ينكمش على نحو مؤلم للغاية، لكن هذا الرأي أيديولوجي بحت، لأنه ما من طريقة لمقارنة تأثيرات المقاييس المستخدمة في كل دولة من الدول الثلاث، نظراً لاختلاف اقتصاداتها اختلافاً بيناً.
وإذا ما رجعنا للإحصائيات فسيتبين لنا أن الدولة التي خفضت إنفاقها العام مقارنة بمعدل الناتج المحلي الإجمالي، أكثر من غيرها، هي التي حصلت على أفضل النتائج. وهو ما ينطبق على أيرلندا التي عاد مجمل إنتاجها إلى مستويات ما قبل الأزمة، فضلا عن أنها باتت الأقتصاد الأسرع نمواً في أوروبا، كما انخفض معدل البطالة فيها إلى 9.7٪ مقارنة بأعلى معدل وصل إليه عام 2012 وهو 15٪.
كروجمان قلل من شأن هذه الإنجازات وقال: إنها تحققت لأن أعداداً كبيرة من الأيرلنديين غادرت البلاد. وحتى إذا ما افترضنا صحة ذلك فإنها حجة مردود عليها بالقول: إن الاتحاد الأوروبي لديه سوق عمل مشتركة هدفها السماح للدول بتخفيف الضغط الاقتصادي الواقع عليها من خلال مساعدة أبناء شعبها على الظفر بعمل في سوق أي دولة عضو أخرى.
والحقيقة أن الاقتصادين الإسباني والأيرلندي ينموان رغم الحكومتين الموجودتين الأكثر بخلاً في الإنفاق. وقد يرى البعض أن ذلك التقشف جعلهما أكثر عافية من الحالة التي كان يمكن أن يلجآ فيها إلى حل مشكلاتهما عن طريق طبع النقود.والحاصل أن الألمان، المكروهين كثيراً لوصفاتهم التقشفية، وميزانيتهم المتوازنة، كانوا على حق فيما ذهبوا إليه، رغم كل شيء.

