Pdf copy 1

محمد محبوب
من كنوز الشعر العربي التي شاعت وانتشرت واستمرت تلامس وتعبر بصدق وعمق عن هموم الناس في كل زمان ومكان، بيت للشاعر الطغرائي (أعلل النفس بالآمال أرقبها .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) ولعل هذا البيت الشعري يصور معاناة الشعب العراقي مع الفساد الاداري والمالي، فلم يعد هناك ثمة أمل يعللون به النفس، هناك شعور طاغ بالإحباط والخيبة لدى المواطنين، لا سيما شريحة الشباب منهم، لقد صبر شعبنا العراقي طويلاً على أمل الإصلاح، ومازال يواجه الإرهاب بشجاعة وصبر ويتجرع أوزار الفساد المالي والإداري، فبينما يحارب المقاتلون الشجعان تنظيم” داعش” الإرهابي ببسالة في هذا الحر القائظ ويقدمون دماءهم رخيصة من اجل الوطن، تعاني عوائلهم ويتلظى اطفالهم من جراء انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات، لقد اصبحت العبارة التي اطلقها طاغية في يوم ما (لاصوت يعلو فوق صوت المعركة) عبارة مستهلكة ولا معنى لها، فمن غير المعقول ان يتحالف الإرهاب والفساد على قتل وقهر هذا الشعب المظلوم ولا امل يلوح في الأفق بسبب توحش الفساد وشراهة المفسدين، ثم يأتي من يقول ان الوقت غير مناسب للتظاهر ونحن نخوض حرباً مفتوحة ضد الإرهاب (!)، والواقع ان النصر على الإرهاب لن يتحقق في ظل الفساد المالي والإداري.
بعد تصاعد التظاهرات الشعبية الواسعة والتحذير الذي اطلقته المرجعية من اجل الإصلاح، يواجه رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي لحظة مصيرية فارقة في الضرب بيد من حديد على الفساد والفاسدين، لاسيما وهو يحظى بدعم الشعب والمرجعية الدينية فضلاً عن الدعم الدولي، وتتوفر امام السيد العبادي اليوم فرصة تأريخية في أن يتحول الى احد الآباء المؤسسين للدول مثل جورج واشنطن وكونراد اديناور وعبدالكريم قاسم، والشعب العراقي سيلتف حول رئيس الوزراء العبادي ويؤيده ويؤازره في برنامجه اللإصلاح، وإذا ما وضع السيد العبادي ثقته الكاملة بشعبه، سوف يحميه ويكون سنداً منيعاً له في مواجهة حيتان الفساد ومؤامرات الكتل السياسية، أقول الشعوب تخلد الزعماء الإصلاحيين حد التقديس كما في حالة الزعماء الذين أشرنا اليهم، ربما لم يتمكن الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم من تقديم الكثير لشعبه بسب قصر فترة حكمه، لكنه قدم مثالا فريداً في النزاهة والوطنية والإخلاص والرغبة الصادقة في خدمة الشعب، وسوف يبقى اسمه خالداً في ذاكرة العر اقيين الى الأبد.
الشعب العراقي يتفهم طبيعة تعقيدات النظام السياسي والضغوط والعراقيل التي تمارسها الكتل السياسية على السيد العبادي، لذلك يدعمه بقوة وسوف يزداد هذا الدعم الشعبي قوة وصلابة وسعة، كلما توجه السيد العبادي الى الشعب وصارحه وكشف له الذين يعرقلون مسيرة الإصلاح، وليس بمقدور الكتل السياسية المتنفذة اليوم امام دعم الشعب والمرجعية والمجتمع الدولي، إقالة او عرقلة السيد العبادي، لن يتحقق النصر على الإرهاب إلا من خلال محاربة الفساد الذي ينخر جسد الدولة والمواطن.لابد من وقف كل ابواب هدر المال العام، لاسيما والبلاد تمر بأزمة مالية خانقة وتواجه حرباً شرسة ومكلفة ضد تنظيم (داعش) الإرهابي وتفعيل هيئة النزاهة وجهاز الإدعاء العام وحمايتهما من تأثيرات الكتل السياسية، ومشاركة المجتمع المدني ووسائل الإعلام في ثورة إصلاحية شاملة لاجتثاث جذور الفساد المستشري، لقد اصبح الفساد المالي وباء سرطانياً خطيراً ينخر في جسد البلد والشعب ويعرقل مساعي التنمية ويتسبب في انتشار الفقر، وانتشر بشكل كبيرعلى مستوى الوزارات والمؤسسات الحكومية الاخرى وأجهزة الجيش والشرطة والقوات الامنية وعلى مستوى المحافظات كافة، حتى اصبح للفساد (مخالب) قادرة على مواجهة اجهزة النزاهة وليس العكس.
وبالعودة لتصاعد السخط الشعبي بسبب أزمة الكهرباء في ظل ارتفاع درجة الحرارة فإنه وحسب تصريحات حكومية كثيرة وآخرها لنائب رئيس الوزراء بهاء الأعرجي، فإن الحكومة أنفقت نحو 37 مليار دولار على قطاع الكهرباء منذ العام 2003، وهو مبلغ كبير يتجاوز بكثير التكاليف الحقيقية لإصلاح وبناء البنية التحتية لقطاع الكهرباء حسب تقديرات الخبراء، ويُعتقد ان معظم هذه الأموال قد ذهبت هدراً بسبب الفساد او سوء الإدارة، لقد توقفت معظم المشاريع، إنْ لم يكن كلها بسبب العمليات العسكرية والأزمة المالية، وقد انسحب المقاولون الأجانب مما لا يقل عن ستة مشاريع توليد كهرباء كان من شأنها أن تقدم أكثر من (2.500) ميغاواط من الطاقة، ومع انخفاض أموال الاستثمار في قطاع الكهرباء إلى النصف، ليصل إلى ثلاثة مليارات دولار فقط في العام 2015، وفقاً لأرقام الميزانية الاتحادية، وتعرض خطوط نقل الكهرباء لهجمات الإرهابيين، وإغلاق العديد من المحطات التي تعمل بالطاقة الحرارية، 
أو المائية، أو تلك التي تعمل بالغاز في محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار وكركوك، مما أسفر عن خسائر بلغت (8.000) ميغاواط وفقاً لما أعلنته الوزارة.
إن مشكلة الكهرباء في العراق ليست جديدة، فلقد عانى هذا القطاع  من الفساد المالي والإداري وغياب التخطيط السليم منذ العام 2003، وقد أدى العنف وعدم الاستقرار الناجم عن وجود “داعش” الإرهابي إلى تفاقم المشكلة، ومن الغريب ألا يوجد تقدير دقيق لحجم الطلب الحقيقي، فبينما كانت وزارة الكهرباء في الحكومة السابقة تتحدث عن 16 ألف ميغا واط هي كل حاجة البلاد الى الطاقة الكهربائية، يؤكد وزير الكهرباء الحالي قاسم الفهداوي ان الحاجة تصل الى 30 ألف ميغا واط، ويعكس هذا التفاوت الشديد، مدى التخبط في إدارة هذا القطاع الحيوي.

التعليقات معطلة