Pdf copy 1

نوران يوسف
دفعوه داخل غرفة أشبه في تصميمها إلى مكتب تحقيقات خاص بجهة سيادية، كان ذلك في موته- ربما- الثالث منذ افتراقهما.
لم يكن يعتقد يوماً أن الأموات يحلمون، بل ويرثون آلامهم من أجسادهم السابقة، تذكر ذلك اليوم التي ألقت فيه بزهور تنورتها في الهواء، تركته وحيداً يحصدها من على الأرصفة والطرقات التي مرت بها، سارت لحظتها بملابس بيضاء كالثلج. نفار قديم أودى به لذوبانه في تفاصيلها، كان يتقمص حتى طريقة سيرها، احتسائها لفنجان القهوة، وانتشائها لسماع قصيدة غزل قديم. 
عند سماع صوتها للمرة الأخيرة وجد في عذوبته أملاً أكثر مما لو كان افترقاً، لذلك قرر البقاء على عهده لها ويظل وفياً لآخر نفس فيه. 
ظل وحيداً في الغرفة، المكتب فارغ تماماً إلا من كوب نصفه ممتلئ بالشاي، وبعض الورق الإبيض الذي كان يتطاير تحت المروحة المعلقة فوق المكتب مباشرة، الإضاءة خافتة نوعاً ما، لكنه رأى باباً آخر في الغرفة تنفذ منه رائحة مصير مجهول، ظل واقفاً في منتصف الغرفة تقريباً دون أن يفكر بالجلوس، الجدران ملونة بمثل لون جميع جدران المصالح الحكومية، لون حيادي لاحياة فيه، أرفف المكتبة الفرغة عليها طبقة من الغبار أثقلت الهواء في صدره، شعر بعدم وضوح الرؤية ورغبة في الغثيان، الضوء الأصفر الخافت كان يمتزج في عينه بألوان متعددة عندما يسقط على أي شيء بالغرفة، ربما طوق نجاته الوحيد كان عندما يتذكر أحلامهما سويا عن المستقبل البعيد، حينها يبتسم إبتسامة خفيفة تقطع أخاديد وجهه الحزينة. 
لم تكن بالنسبة له مجرد قصة كما قيل له بضرورة نساينها، كانت حياة، وأحلاماً مشتركة تعاهدا على تحقيقها سوياً، فضل الموت للمرة الثالثة، ربما الرابعة، لم يذكر هذا، شعر بأن عمره قد تجاوز الألف عام وهو في تلك الغرفة ينتظر مصيره المختبئ وراء هذا الباب. لحظات وظهرت أمامه صورتها معلقة فوق المكتب، حاول الإقتراب منها، لكنه لم يكن يشعر بقدميه تلك اللحظة، كانت مجرد ساقين مسند عليها جسده الهزيل المبني من عدة غضاريف غير مرتبة. حاول تدقيق النظر أكثر، لكن ملامحها كانت تذوب شيئاً فشيئاً في ظلام الخلفية السوداء، في تلك اللحظة وعندما شعر بأنه سيصير أعمى، صرخ عاليا. تذكر موته الأخير، لم يذكر ان كان انتحر في تلك الليلة أم لا، لكنه يذكر جيدا أنه كان يسير في الشوارع التي مرت منها، بل ويعانق الذين رأتهم منذ يوم ولادتها، يلتلفت حوله كل يوم كالمجذوب عَلَّهُ يلمحها ولو صدفة. 
ظلت عيناه معلقة على الباب، بينما كانت الإضاءة تخفت تدريجياً في عينيه، كما أحس بسكون لم يعهده منذ دخوله تلك الغرفة، كان يزداد بشكل مرعب، انكمش لحظتها على نفسه وجلس مكانه على الأرض، حينها ولأول مرة، شعر برائحة هوائه المشبعة بالموت. 

التعليقات معطلة