Pdf copy 1

محمد ناصر الدين 
«في الجهة الشرقية من غرفة أحوالي/ حيث صنوبرة تنشط فيها الغربان/ وفي الجهة الغربية/ حيث الشطآن يعذبها سوط الموج/ أحدق بين هنا وهناك/ لأعرف سر الموج/ وسر الشجرة».
للشاعر الفرنسي بول كلوديل مقولة غريبة مفادها أن الشجرة وحدها من بين كائنات الطبيعة، عمودية النوع، مثل الإنسان. قد يكون الشاعر استثناء غريباً أيضاً، لكونه الأقدر في النوع البشري على طرق الأبواب المغلقة، واستنطاق الشكل بطريقة فريدة لتوليد المعنى الذي يخص الإنسانية بأسرها.
كيف يمكننا ان ندخل «غرفة أحوال» محمد علي شمس الدين؟ وأن نتجاوز مثل البحارة المجربين لنستنطق البحر والشجرة، في رحلة عمودية وأفقية على طريقة الصوفيين، ونعرف سر المعنى؟ كتاب «نفي الغياب في رحلة الإياب» للشاعر عمر شبلي الصادر عن دار العودة في 250 صفحة (2015) وهو دراسة في قصيدة «يوم الأحد الواقع فيه صمتي» من ديوان «النازلون على الريح» (دار الآداب، 2014) هو محاولة للإجابة على هذه الأسئلة. يركز شبلي في كتابه على البعد الرؤيوي في قصيدة شمس الدين، والثيمة القديمة ـ الجديدة للشاعر «سارق النار». حيث يلغي الشاعر الانتظار السلبي لمملكة الالهام، وحيث الـ «أنا» الخالقة ليست مثبتة سلفا في سطوة العمل الزخرفي على اللغة على طريقة مالارميه، بل أقرب إلى طريقة ارتور رامبو حيث يكون الشاعر قادرا على مفاجأة نفسه، ويكون موضوع القصيدة قادرا على عرقلة مسار تطوره الطبيعي من أجل ضبط إيقاع «التجاوز» أو «الشطح» الخاص به. يركز شبلي إذن على رحلة شمس الدين الداخلية (وأنا أتقدم في زحمة أيامي/ في زحمة سيري نحو الله)، من بدايتها إلى تجاوز مرحلة التساؤلات المضنية (كنت بدأت أشعر بالجوع/ وشدتني رغبات شتى/ نحو السير بلا هدف ومخاطبة الناس/ وإيتاء ذوي القربى). بإنتاجه لنفسه بهذه الطريقة، لا يكون الشاعر شخصا يزوره الخارق والمطلق بصورة موقتة، بل يكون قادرا بذاته أن يكون خارقا ومطلقا (كمثل نبي في أرض الرب/ غفوت هناك ملء جفوني). ومن أجل الشهادة على الرؤى، يركز شبلي على قدرة شمس الدين على الابتكار في اللغة، لأن اختراع المجهول يتطلب اشكالا جديدة، ولغة متجددة مثل «آلات الفجر»، وهو مصطلح مفتاحي ابتكره شمس الدين (تتكأكأ من ناحية الشرق الأصوات/ تتحرك آلات الفجر)، يفرد شبلي أكثر من مقطع في كتابه للقيامة التي عبر عنها شمس الدين بالأصوات القادمة من الشرق، في آلات الفجر المتصلة بأرواح إبراهيم، وموسى، ومحمد التي طلبت الرؤية، لتضيق العبارة وتكتمل الحال في نهاية الرحلة.
التجربة الصوفية
يركز شبلي أيضاً على التجربة الصوفية الناضجة في قصيدة شمس الدين، والتي تتقاطع بشكل كبير مع التجربة التي عاشها الشاعر الفرنسي رامبو، في فكرة «امتطاء البحر المعبر عن رحلة الشك الحاد والعاصف من الداخل»، وإذا كان رامبو قادما إلى الشرق لاستكشاف الضوء والبدايات من أوروبا العجوز باستعمارها ومآزقها (اسف على أوروبا ذات المتاريس القديمة/ حيث مع الغسق الممطر/ يفلت ولد مقرفص مملوء بالحزن)، وحين رفض رامبو كاثوليكية أمه الصارمة، تمسك محمد علي شمس الدين بالإرث العرفاني والصوفي لحافظ الشيرازي، وفريد الدين العطار، متشربا المآذن العاملية في وجدانه المزدحم بمرثيات أهل البيت معتمدا في شعره على مرجعيات شرقية بمعظمها، وإذا وجدت بعض المرجعيات الغربية فمن أجل صهرها في الصوت الإسلامي أو القرآني العريق. في كتاب شبلي إشارات ولو غير مباشرة، إلى المصالحة ـ المفارقة في شعر شمس الدين بين الغيب القرآني والشعر، وهي مصالحة لم تعرفها السطوح الفقهية الإسلامية التي استشرفت تعارضا (ظاهريا) بينهما، ولم تتم في التاريخ الإسلامي إلا بشكل خجول في أحوال الصوفيين الذين بقي شعرهم ضعيفا نسبيا. رحلة شمس الدين اذن تشتمل على نسبية الزمان وآلات الفجر، وهي محاولة بدأها غوته ولامسها رامبو من خلال اشراقاته، للتوفيق بين الغيب والشعر الذي يعرفه شمس الدين بـ «جرح من أقدم جروح الغيب» حيث يضرب الشاعر بقوة في النفق العميق لسطوة الغيب، ولكل استتار هيبة ورهبة (فلما تجلّى ربهُ للجبلِ جعلهُ دكّا وخرَّ موسى صعقاً، الأعراف، 143). الرحلة التي يسلط شبلي عليها الضوء لها جذور قديمة في شعر شمس الدين الذي انتقل بسرعة من شعرية السطوة اللغوية في أعماله الأولى إلى قلق الحال الذي لا يحد، والتي يمكن استشرافها مبكرا في قصيدته (ذكر ما حصل للنبي حين أحب، ديوان طيور إلى الشمس المرة، 1984) وصولاً إلى «شــيرازيات» و «اليأس من الوردة» و «النازلون على الريح». يترك محمد علي شمس الدين للشــعر العربي الحديث مشروعا ذا طموح جــمالي وقيمي (Ethique et Esthetique)، يتصالح فيه القرآن بآياته المتشابهات مع الشعر، ويتصالح فيه أيضاً، على طريقة بول فاليري، الصوت والمعنى.

التعليقات معطلة