Pdf copy 1

    فيليب ستيفنز
الاستفتاء المقبل على موقع بريطانيا في أوروبا يدعو للاختيار بين مستقبل غير مريح بشكل لا يُمكن تجنّبه، وحنين مريح لماض أكثر قابلية للتنبؤ. هذا التصادم للواقعية مع العاطفة يُحدد السعي للأمن والازدهار في العالم الذي لم يعُد ينتمي للغرب، مقابل الاشتياق للأيام عندما كانت بريطانيا تُحدّد القواعد العالمية. هذا الخيار لا يُستخلص بسهولة لوضعه في ورقة الاستفتاء. وتنوي حكومة ديفيد كاميرون إعادة صياغته مع الوعد “بصفقة جديدة” لبريطانيا في اتحاد “تم إصلاحه”. الانحراف الخالد في أوروبا، حسب ما تقوله محاولة رئيس الوزراء، يُمكن أن يتيح له الاحتفاظ بمزايا العضوية في الوقت الذي يُعفي نفسه من الطموحات الاندماجية لشركائه. هناك عبارة مُفضّلة في داونينج ستريت هذه الأيام هي “أفضل ما في العالمين”. أخبر كاميرون زملاءه القادة أنه يود التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية العام. لم يتم بعد تحديد موعد الاستفتاء، لكنه يريد إبقاء المجال مفتوحاً أمام أواخر الربيع أو أوائل الصيف من عام 2016. هذا يعني التوصّل إلى اتفاق في قمة بروكسل في كانون الأول (ديسمبر). ويصف مسؤولون بريطانيون هذا الجدول الزمني بأنه صعب، لكن يُمكن تحقيقه. هناك اتفاق أصبح أكثر احتمالاً بفضل استعداد كاميرون للتراجع عما كان فيما مضى مطالب محورية – “تغيير كامل للمعاهدة” وقيود على حرية انتقال الناس في جميع أنحاء الاتحاد. فيما يتعلّق بأول هذه المطالب، قد تكون بريطانيا الآن راضية عن البروتوكول الذي على غرار ذلك الذي مُنح لحكومة كوبنهاجن بعدما تنكّر الناخبون الدنماركيون لمعاهدة ماستريخت في عام 1992. مثل هذا الاتفاق من شأنه أن يكون مُلزماً لدول الاتحاد الأوروبي الـ 27 الأخرى، وعند الضرورة، سيتم إدراج أحكامه في معاهدات الاتحاد الأوروبي عندما يتم إعادة التفاوض عليها في المرة المُقبلة. فيما يتعلّق بحرية الانتقال، تم تعديل الهدف البريطاني ليقتصر على المزايا أثناء العمل لأولئك القادمين من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى. كل من هذين المطلبين يبدو طموحا معقولا، وإن لم يكُن سهلا. المفاوضات تتسارع. أحدث اجتماعات كاميرون مع الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، وأنجيلا ميركل، مُستشارة ألمانيا، رافقها قدر كبير من التجديف الدبلوماسي تحت الماء. مع ذلك، يعترف الجانب البريطاني بأنه كان مُتردّداً في وضع أي تفاصيل في النصوص الرسمية. إذ يخشى المسؤولون أنها، مثل كثير من وثائق الاتحاد الأوروبي السرية الأخرى، ستجد طريقها بسرعة إلى محرر “فاينانشيال تايمز” في بروكسل، بيتر سبيجل. كاميرون الذي راهن برئاسته تقريباً على تأمين الموافقة على التصويت بـ “نعم” في الاستفتاء، ينوي إجراء جولة ثانية من المحادثات الثنائية مع كل واحد من نظرائه في الاتحاد الأوروبي. وسيُضيف رحلة نادرة إلى ستراسبورج لطرح قضيته مباشرة أمام البرلمان الأوروبي. وحسب بعض التقديرات، توَاصَلَ وايتهول مع أعضاء البرلمان في الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الستة الماضية أكثر مما فعل خلال الأعوام العشرة السابقة. أما بالنسبة للجوهر، فالمطالب البريطانية تقع ضمن أربع مجموعات. الأولى تُغطّي نصيحة عامة مفادها أن الاتحاد ينبغي أن يكون أكثر تنافسية – توسيع السوق الموحّدة، وإلغاء التنظيمات غير الضرورية، وأمور أخرى مُشابهة. قد يقول بعضهم إن هذا يُعتبر مشاعر ساخرة حول أمور يُزعم أنها مثالية. الثانية تتعلق برسم خطوط أوضح بين أعضاء اليورو وأولئك الذين احتفظوا بعملاتهم، أو بشكل أكثر تحديداً، ضمانات أن السابق لن يتطاول على الأخير، وبالتالي تدمير الحي المالي في لندن. المجموعة الثالثة تتناول المسألة الشائكة الخاصة بالمزايا أثناء العمل لمواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا. أما الأخيرة فمن شأنها أن تسمح للبرلمانات الوطنية بإيقاف تشريعات بروكسل، من أجل الحد من المزيد من التبعية، وبشكل خاص أكثر بالنسبة لبريطانيا، من أجل الانسحاب من هدف الاتحاد الأوروبي النظري المتمثل في إيجاد اتحاد أوثق. لكن ليس هناك ما يضمن التوصّل إلى اتفاق. ميركل وهولاند والبقية يُفكّرون في أمر أو اثنين من الأمور الأخرى – من بينها سورية، وأزمة اللاجئين، والأذى الروسي في أوكرانيا. واليونان بإمكانها زعزعة استقرار اليورو مرة أخرى في أية لحظة. هؤلاء القادة الآخرون، كما أخبروا كاميرون بلا شك، لديهم أيضاً دوائر انتخابية سياسية محلية عليهم إرضاؤها. رغم كل الجهود الدبلوماسية، ستُصبح الأمور أصعب بمجرد أن تبدأ قائمة الأمنيات تُترجم إلى نصوص قانونية. ورغم كل ذلك، فإن الآخرين بالكاد يُريدون رؤية بريطانيا تُغادر. الألمان، كما قال المُستشار السابق كونراد أديناور ذات مرة، لا يُحبّون فكرة أن يُتركوا وحدهم مع الفرنسيين. وهذا الشعور مُتبادل في باريس. استراتيجية كاميرون واضحة بما فيه الكفاية. بعد مجموعة متواضعة من الامتيازات، والتنكّر الرمزي لاتحاد أوثق، مع الانسحابات القائمة من اليورو، ومن نظام شنجن للحدود المفتوحة، ومن بعض الشؤون القضائية، بإمكانه الادّعاء أن بريطانيا قد ترجّلت من القاطرة الفرنسية ـ الألمانية الأسطورية للتكامل الأوروبي. هناك شيء ما في هذا أيضاً، بالنسبة لشركائها. لكونهم آمنين على المنصة، لن تتمكّن لندن بعد الآن من إعاقة المسارات إذا اختاروا التقدّم بحماس. الحساب السياسي هنا هو أنه في حين أن الناخبين قد يكونون غافلين عن تفاصيل أي حزمة يتم التفاوض عليها في بروكسل، إلا أنهم سيفهمون فكرة أن بريطانيا قد عزلت نفسها.
ما يفتقده هذا هو القوة العاطفية للادعاء (المزدوج) بأن بريطانيا إذا أصبحت وحدها، عندها بإمكانها استعادة السيطرة الكاملة على مصيرها. الحجة القوية بالنسبة لعضوية الاتحاد الأوروبي دائماً ما كانت التقييم الصارم أنه في عالم تتحوّل فيه السلطة إلى مكان آخر، فإن مصالح بريطانيا مُصانة بشكل أفضل داخل النادي. هذا ليس أسهل طرق الإقناع. لكن جميع البقية هي مجرد تغليف جمالي.

التعليقات معطلة