جمال جاسم أمين
في الفترة الاخيرة اشعر بحاجة ملحة الى اعادة فحص المقولات باعتبار انها تختزن نوع تفكيرنا بل ان ما نقوله عبر تعبير ما او مصطلح نردده غالبا ينم عن عمق ايماننا بمضمون هذا التعبير.
ومن التعبيرات اللافتة التي نتداولها بصدد الحديث عن الازمة، اية ازمة، هو تعبير (الهروب الى امام) بل نستحسنه على اعتبار انه اجراء ناجع (للافلات من استلاب المجتمع) على حد توصيف (رولان بارت)، بمعنى ان التقابل هو بين الاستلاب/ انواع اخرى من الضغوط ترتقي الى وصف الازمة وبين الاجراء الذي يقابلها في حال عدم القدرة الكافية على تفكيكها او مقاومتها.
الهروب الى امام يعني الخروج على اشتراطات المكان وظروفه الداعمة للمشكلة، هذا ما نفهمه على الاقل من السياق العام للعبارة.
والسؤال هنا هو: هل يمكن ان نعد التقدم هروبا الى امام؟ بمعنى هل يصح ان نسمي الحركة الى (امام) هروبا ام انه تجميل بلاغي لا غير؟.
يتضمن التعبير اشارة خفية الى الحلول الاضطرارية التي لا تنضج على نار هادئة كما يقال ، حلول ربما تكون منفعلة وآنية تستهدف الخلاص بأية طريقة.
هذه المداولة لا نريد لها ان تنصب على المنحى الفردي لفكرة الخلاص عبر حركة هروب الى امام! بل نتساءل عن امكانية ممارستها مجتمعيا لنقول: كيف تهرب الشعوب الى امام؟ وهل يصح مثل هذا التعبير على حركة مجتمعات تمتلك من القابلية والادوات ما لا يتاح للافراد غالبا؟.
تقع مثل هذه المداولة ايضا وبقصد توسيع السؤال ضمن دائرة البحث عن العوق الذاتي الذي تمارسه الجماعات تجاه حركتها، أي الجمود وتعطيل الفعاليات المجتمعية التي من شأنها ان تعزز ارادة التقدم والتنوير.
يحصل هذا عندما نجد غالبا طبقات اجتماعية مستفيدة من الازمات او ما يمكن ان ندعوهم بأعداء الاصلاح الذي يستهدف غنائمهم غير المشروعة ، هؤلاء فرق إنقاذ التخلف يتأهبون غالبا لقمع أي مشروع يغير قواعد اللعبة التي رتبوا رقعتها وفق ما يشتهون.
وهنا يصبح تعبير (الهروب الى الامام) يعني القفز على الانساق القارة والضاغطة التي لا حوار معها سوى مغادرتها بالمرة والخروج كليا من دائرة اضطرارها الضيقة.
اليوم ونحن في ظل ازمات متلاحقة يصبح لمثل هذا التعبير بريق خاص، ربما يمثل إغراء من نوع ما على صعيد البلاغة السياسية التي يتشدق بها المحللون الى درجة التفنن في نحت المقولات حتى لو كانت متضاربة او خاوية بلا مضمون على ارض الواقع وهذا هو نهج الخطاب الاعلامي الذي يعتاش على التسطيح والبلاغيات المكرورة، بالطبع لا نقصد الاعلام الكاشف الذي يساعد على صناعة المعنى وجعل الحقيقة ممكنة، فهذا النوع من الاعلام الرائد هو الداعم للحل لا للتأزيم.
نلفت الانتباه الى مثل هذه التعبيرات للتذكير بمهمة المثقف الاجرائي الذي عليه ان يقدم كشوفاته باستمرار لا ان يركن الى التعابير الجاهزة بحمولتها المضللة احيانا.
على المثقف – وفق ما نعتقد – ان يزود البلاغة السياسية بخلاصات وعيه للمشكلات الراهنة وهي انتباهات تحتاج الى لغة وصف جديدة نابعة من نوع المشكلة التي نعانيها.
وللدقة نقول: ان الحرفية في الثقافة التي تقصر دور المثقفين على حقول ابداعهم المميزة تقف عائقا امام مثل هذا النشاط الاجرائي وهو ما دعاني في اكثر من موضع الى التفريق بين (المثقف) و(الناشط الثقافي) باعتبار ان هذا الاخير هو من يجعل كشوفات الثقافة ممكنة، ويمنحها حيزا من الواقع بل ينقذها من نرجسية حلمها المتعالي في اغلب الاحيان.
الناشط هو الباحث الدؤوب في مفهمة الاصلاح والكاشف عن فهرس التصدعات بعد اختبارها عمليا بالاستناد الى واقع التجربة والممارسة. هؤلاء المثقفون (الناشطون) هم الادلاء والرواد الذين يمنحون فكرة الامل ألقا دائما، ويضخون للغة السياسية بلاغة جديدة تقاوم المعاد والمكرور الذي لم يعد نافعا.

