Feature

صباح عطوان 
حكاية الغربة عن الأوطان لن تنتهي سطورها أبدا، لذلك لا يزال الكتّاب يسردون في مؤلفاتهم قصص الآلام والمعاناة، وينقلون شعور المغتربين في أراض قد لا يختارونها بالمرّة، ورواية “بحر من الوهم”، الصادرة حديثا، للكاتب العراقي ماجد السامرائي تعدّ مساهمة جادّة وممتعة للخوض في قضية الغربة وتداعياتها، وشهادة قيّمة من شهادات كثيرة كتبت ومازالت تكتب.
الفصل الأول من رواية “بحر من الوهم”، الصادرة حديثا، عن “دار العرب للنشر والتوزيع”، بالاشتراك مع “الدار العربية للعلوم ناشرون”، قد تذكّر القارئ برواية الكاتب قسطنطين فيرجيل جوليو الموسومة بـ”الساعة الخامسة والعشرون”، والحائزة على جائزة نوبل للآداب.
فرواية ماجد السامرائي تقريرية الأسلوب، ملخصة وسريعة، لكنها موحية ومرمّزة، فيما كانت “الساعة الخامسة والعشرون” تفصيلية، دقيقة وتحليلية، عن الحرب العالمية الثانية ومآسيها، وتفاوت أنماط الاضطهاد العرقي، والتمايز الديني والمذهبي والسياسي ضمن أحداثها، في أوروبا التي حكمتها الدكتاتوريات، وأشعلت حروبها، وأزهقت حياة الملايين من نفوسها.
فهي رواية عن قمع اليهود وإبادتهم وتشريدهم، واستغلال الشعوب، واحتلال أراضيها وجعلها سجونا ومحارق لأهاليها، وما أشبه ذلك بالنظم الدكتاتورية عندنا.
وما أشبه ما كابده شعبنا العربي من الدكتاتوريات، بما كابدته دول أوروبا من موسوليني، وهتلر، وما حصل في أسبانيا أو الأرجنتين وغيرهما. فهناك جرى اعتقال الإنسان وافتراسه ببشاعة ووحشية. وما جرى في العراق لا يقل بشاعة عن ذلك. إذن فهي فوضى العقل والعاطفة، والمناهج المضللة والنواميس الجوفاء، هذا جرى خطفا في “بحر من الوهم”.
رواية “بحر من الوهم” تخصصت بضياع الإنسان العراقي خارج وطنه، وهو معارض لنظامه. أو هي رواية تجسد انقلاب القيم لدى من كان يؤمن بنظامه وفلسفته، إلى معارض مستهدف في أقاصي الأرض وأدناها من قبل النظام ذاته. وكشف تام لزيف شعارات العروبة والقومية التي كان ينادي بها النظام، ولهراء النظم العربية وإفلاس قيمها، التي لا تستقبل عربيا من ضحايا الدكتاتور، فيما كانت أرض العراق تُفتح على مصراعيها لاستقبال ملايين العرب الفقراء، من تلكم الأنظمة، للعمل والإقامة فيه.
مرارة الواقع العربي
الرواية تكشف بجزع ومرارة الواقع العربي الهجين ومتحلل الخلق. ذاك الذي تتحكم فيه أسر، وممالك متخلفة ومتحجرة وطاغية ليس إلا. فالرواية تناولت شخصية الدبلوماسي العراقي حسن في سفارة العراق بكراكاس في فنزويلا، الذي تمرّد على واقع تربّى تحت ظلال عقيدته السياسية، وعلى مجتمع ببيئته وأديانه ومذاهبه، وعلى قيمه القومية التي وجدها في ظل الأنظمة الحاكمة، ليست سواء شعارات من وهم. وعلى نظريات حزبه، ومناهجه التي عملت على تفريغه من إنسانيته ورومانسيته وعالميته. وإخضاع ذاته إلى منطلقات جافة محددة، ومفاهيم رقمية متحجرة، فبات من خلالها بترادف الزمن آليا، كشخصية جوليو في “الساعة الخامسة والعشرون ” التي تصنعها أنظمة فردية مجنونة.لكن بذرة الإنسان الحقيقي في حسن بقيت تقاوم في داخله. وما فتئت تنمو حتى برعمت، وتفتحت، وتفجرت حين أطل على عوالم الحضارة وعايشها وتعلم منها، وقارن بين ما تربّى عليه الإنسان داخل قمقم الجاهلية والقبلية المتمذهب. وبين ما يعيشه الإنسان خارج عالمه ذاك، وبين الحضارة والحقارة المفصّدة بنظريات الوهم المفلسة والمتعسة، وقيمها العدائية الرثة، وشعاراتها الفضفاضة.
ينتفض حسن على صانعيه ويسحق مستنزفيه،
 ويكابد للحفاظ على عذرية روحه إزاء مغريات الخيانة والعمالة، ويدفع عن ذلك ثمنا باهظا، هو تشرده وضياعه في فيافي الأرض، وبحورها بعد أن كان متمرغا في العز، كدبلوماسي كبير في كراكاس بفنزويلا، حيث كان يعيش متنعما بخدمه وحشمه، وسلطته وقراره، لكن ذلك التمادي في السعادة سرعان ما أشعره أنها سحتا حراما.يبدو لحسن أن الوطن تحت وطأة من يخدمهم، الأمر الذي قوّض روحه، التي جعلته أمام مسؤوليته الأخلاقية.
 فهجر العز، وغادر الجاه والسلطة إلى حياة التشرد، فهام على وجهه في الأرض. تتلقفه المطارات وتتقيّؤه مرافئ السفن. في أوروبا وجزر الكاريبي ومالطا وأمستردام ولندن. وخلال مشوار ضياعه يلتقي الرجل نساء مغرمات، مغامرات وعاشقات متفانيات، كميرنا وكارولينا وسندريلا، وهذه الأخيرة كانت مثالا نموذجيا في التضحية، والكفاح من أجله ولأجل أسرته، حتى أوصلته إلى لندن آمنا.
الشخصية الشرقية
ممسكات التربية الشرقية وهدب المثل القديمة لم تخرج حسن عن طوع قيمه، فقد جعل مقام أسرته أوليا، فيما انزوت سندريلا في غياهب النسيان. بالرغم من تفهم زوجته العراقية الرصينة عبير لوضعه معهن. وتقييمها لحالته المشردة إبّان احتوائهن له. 
وعجزها عن أن تفعل شيئا يعادل ما فعلنه له، ولا سيما مثلما قدمته سندريلا الفنزويلية من خدمات وتضحيات، وهي تهربه بجوازات مزورة فنزويلية مع أسرته من بلد إلى آخر. إن قسوة حسن بطل الرواية، وتماسك عواطفه إزاء سندريلا وكارولينا، كانت متأثرة أيضا بعوامل إضافية، منها تأثيرات التربية العقائدية السياسية، التي هجرها بعد أن بلغ من العمر والنضج شأوا. فقد كانت تلك الأسس قولبية وآلية، صماء بكماء خرساء، إزاء العواطف الوجدانية.
تفرّغ الشخص من محتواه الوجداني، والعاطفي لصالح عقائد مدمّرة، ترفع بيارق بيضاء وخضراء، ومن تحتها سيوف ومقاصل وقامات، وجحيم لا يطاق. لذلك ألقت شخصيته الشرقية المجففة ظلا من الحزن والإحباط على سندريلا المجاهدة، التي كانت أمتع شخصية في الرواية، والتي لم تقابل بالعرفان بل بالهجران وبالجحود. كان حسن في هروبه يبحث عن مثل عليا، فلم ولن يجدها، في عالم بات هو جزءا خربا منه.جاءت رواية “بحر من الوهم” مفعمة بالحقيقة، ولكن بحذر شديد. كانت تشبه راهبة تتحدث عن العلاقات البينية،
 خاصة وهي تستعرض شخصية حسن الشرقي بشغفه أو مشتهاه. بهذا بدت الرواية مبتورة قليلا. محزّمة بقيود الرقيب الاجتماعي الذاتي، التي تفرضها ضرورات مجتمع مازال يرزح تحت نير الانتهازية الوجدانية، والكذب المغلف بالدين والأعراف. بهذا خضعت الرواية مرغمة لتجميد مواضيع كان يتوجب أن تتوغل فيها، وإطلاق أخرى كان يجب ألّا تتوقف عندها؛ فالرواية عبّرت عن الحقيقة بمقدار وأعطت شهادة صريحة عن عالم زال.

التعليقات معطلة